أين تقع الإسكندرية؟ .. أساطير المدينة والمدينة النقيض بعد المرحلة الكوزموبوليتانية


"فالحلم الذي زُرع يوما ما في داخل وعي المدينة، سيظل يطاردها مثل شبح لا يهدأ،

إلا بعد أن يتجسد ويعود إلى الحياة، أو يختفي هذا الحلم بموته، أو يُخترع حلم جديد."

- علاء خالد، وجوه سكندرية

"هناك إذن أساطير مبهجة للغاية وهي مع ذلك غير بريئة."

- رولان بارت، أساطير

تشتهر مدينة الإسكندرية المصرية بكونها مدينة كوزموبوليتانية، أو بأنها كانت هكذا في وقت ما، في زمن جميل مضى عندما كان الأوروبيون يهيمنون على الأحياء البورجوازية في المدينة. لقد مضى هذا الزمن، لكن صيت الإسكندرية وقصتها الرومانسية مازالا يعتاشان عليه. ربما يعرف القراء الغربيون الإسكندرية من أعمال كُتَّاب يونانيين وبريطانيين ومؤلفين أوروبيين آخرين عاشوا في المدينة، لكنهم يظلون على جهل كبير بالأغلبية العظمى من سكان المدينة: المصريون المتحدثون بالعربية. ولم يجد الأدب العربي المتعلق بالإسكندرية حتى الآن طريقه للدخول في لائحة الكوزموبوليتانية السكندرية (انظر حازم 2006). إن النوستالجيا الغربية للإسكندرية "الكوزموبوليتانية" هي حنين ذو صبغة مركزية أوروبية إلى العصر الاستعماري، يعيد إنتاج صورة رومانتيكية للماضي ويعتم على مساحة كبيرة من الحاضر. وقد انتقد عدد من المؤرخين والباحثين في الأدب هذه الصورة المثالية (خالد فهمي 2006، زبيدة 2011، هالة حليم 2013، الشيطي 2016). ومع ذلك فهي تستمر في العيش، في أشكال متحولة. فهناك نوستالجيا مبهمة لعصر كوزموبوليتاني منصرم يتشارك الإحساس بها الكثير من سكان الإسكندرية اليوم. وفي نفس الوقت، غادر معظم المدينة هذا العصر وراءه، وأصبح هناك شيء مختلف يبزغ في حركة كاسحة من الهدم والبناء.

1- المساكن الصينية

في مارس من عام 2015، وفي واحدة من رحلاتي الكثيرة ما بين برلين والإسكندرية، نزلت في مطار برج العرب غرب الإسكندرية في وقت متأخر من الليل. يبعد المطار مسافة 50 كيلومترا عن وسط المدينة، لكنه قريب من مناطق صناعية مزدهرة عديدة، وقرى سياحية، وضواح راقية تم بناؤها غرب المدينة وعلى الساحل الشمالي في العقدين الماضيين. وهي جزء من خطة عامة للحكومة المصرية لإنشاء مدن جديدة بعيدا عن المراكز الحضرية القديمة. يربط مطار برج العرب الإسكندرية برحلات طيران منتظمة عديدة إلى الخليج والسعودية وليبيا. الخطوط الأوروبية الوحيدة التي تطير إلى برج العرب هي الخطوط الجوية التركية برحلة طيران يومية من اسطانبول. أما الخطوط الجوية الأوليمبية التي كانت تربط الإسكندرية بأثينا فقد تم إيقافها عام 2011 بعد الأزمة المالية في اليونان – وهو التوقف المليء بالرمزية حول الموقع المتحول للمدينة.

في المطار التقطني صديقي مصطفى الذي أعرفه منذ الأيام التي كان مازال يعيش خلالها في قريته الأم شمال الدلتا. ومنذ عام 2009، يعيش مصطفى على مبعدة نصف ساعة من المطار في حي العجمي على الطرف الغربي من الإسكندرية. والعجمي معروف في أوساط البورجوازية المصرية كمصيف مبهج، ذي تراث ومذاق (أحمد عبد الجبار 2013). أما مصطفى فيعيش على مبعدة ثلاثة كيلومترات من الساحل في منطقة عشوائية على تل صغير خلف المساكن الصينية مباشرة، وهي منطقة سيئة السمعة ذات مساكن شعبية ضخمة. بُنيت المنطقة في ثمانينات القرن الماضي كمساكن لشركات القطاع العام من خلال مشروع مصري صيني مشترك. ولعقود أصبحت المساكن الصينية هي المنطقة التي يعيش فيها أشخاص فقراء ومهمشون، أشخاص يفتقرون إلى سبل بناء بيت ملك لهم في مستوطنة عشوائية. وقد مرت بفترات من حروب العصابات كانت تجبر السكان أحيانا على البقاء داخل بيوتهم لمدة قد تصل إلى ثلاثة أيام. لكن مع الوقت، أصبحت المنطقة أهدأ وغدا السكان أكثر تنوعا. كنا نتحرك أنا ومصطفى في المنطقة دون أي إحساس بالخطر حتى في وقت متأخر من الليل. قبل عامين، صُدمت موظفة مصرية في مؤسسة بحثية أجنبية في الإسكندرية عند سماعها أني أتردد على المساكن الصينية. قالت أنها مندهشة لكوني مازلت حيا. بالنسبة لها كانت منطقة محظورة، وبالقطع ليست جزءا من مدينتها. وإذا كانت أي شيء، فإنها ليست إلا جزءا من مدينة مضادة وقفت كعلامة على الحدود وهددت إسكندرية البورجوازية، تلك المدينة الكوزموبوليتانية الواقعة على شاطئ البحر.

في المساء التالي، أكملت رحلتي مستقلا ميني باص إلى الطرف المقابل من المدينة؛ حي المندرة في الشرق. والمندرة هي الحي الذي أقيم فيه عادة في الإسكندرية كضيف على الروائي مختار شحاتة الذي أعمل معه على بحث أنثروبولوجي حول الكتابة الأدبية. المسافة من العجمي إلى المندرة 35 كيلومترا على الطريق المباشر عبر وسط المدينة. ولتجنب الازدحام، يسلك الميني باص مسارا ملتفا أطول لكنه أسرع عبر الطريق الدولي جنوب المدينة. يعبر الطريق الدولي بحيرة المريوطية على جسر فوق مكب للنفايات حيث تجبر رائحة التلوث المثيرة للغثيان الركاب كثيرا على سد أنوفهم. يمر الطريق بمناطق عشوائية فقيرة في الجزء القبلي من العجمي، وبضاحية كينج مريوط الراقية، وبمجمعات هائلة من مصانع الكيماويات والإسمنت، وبمركز سيتي سنتر الراقي للتسوق. أخيرا، يدخل الميني باص المدينة مرة أخرى على طول شارع 45 فيما يُعرف بشرق المدينة. باقترابه من نهاية الخط، يدخل الميني باص في شوارع أصغر، بعضها مازال تحت الإنشاء جزئيا، ويمر بكلية الدراسات الإسلامية التابعة لجامعة الأزهر (واحدة من مراكز التعلم الأساسية للطالبات المسلمات اللاتي يجئن إلى مصر)، وفي النهاية يدخل شارع الملاحة المزدحم المحاط بالمحلات ومناضد البيع، والمزدحم بالعربات الخاصة والتاكسيات والميني باصات والتكاتك.

يقسم خط قطار أبو قير شرق الإسكندرية بشكل طبقي تقريبا، ليغدو الجزء البحري هو الأكثر ثراء، والجزء القبلي هو الأفقر. نزلت بالضبط تقريبا عند الحد الطبقي الفاصل، بجوار خط السكة الحديد. على الجانب الآخر الثري من السكة الحديد تقع حدائق المنتزه (التي كانت سابقا المقر الصيفي الملكي، وهي الآن حديقة عامة)، ومركز فتح الله للتسوق، وفندق الشيراتون، والشاطئ. على هذا الجانب تبدأ المنطقة العشوائية من المندرة القبلية، المبنية في تسعينات القرن الماضي والتي مازالت تحت الإنشاء، بعمارات ذات 15 طابقا تحل محل البيوت الأقدم ذات الخمسة طوابق.

على حد قول مختار فإن هذا هو "الوجه القبيح للإسكندرية". وفي الحقيقة من الصعب أن تجد جمالا في المساكن الصينية أو الطريق الدولي أو المندرة القبلية بأي معنى مألوف. ومع ذلك فإنها ليست فقط الوجه الفقير للمدينة. فهلال الضواحي الذي يطوق القلب الساحلي القديم للإسكندرية يتألف من أحياء فقيرة ومتوسطة الدخل وراقية على السواء. توفر هذه الأحياء المسكن والعمل لملايين، ومع ذلك لا تُعد ايا منها بمثابة الموقع الحقيقي للإسكندرية في السرديات الإعلامية والأدبية والبحثية للمدينة – ويوافق على ذلك الكثير من سكان هلال الضواحي ذاك. عندما سألت مصطفى عما تكونه إسكندرية الحقيقية بالنسبة له، لم يذكر اسم الحي الذي يعيش فيه. أين إذن تقع الإسكندرية؟

2- قبرص

بالنسبة لمصطفى فإن الإسكندرية الحقيقية هي حي بحري الشعبي القديم، الذي يقع على طرف شبه الجزيرة التي يوجد بها المركز التاريخي للإسكندرية. يعرف مصطفى حي بحري عن ظهر قلب لأن الكثير من محلات الجملة والتجزئة في تجارته توجد في أزقة هذا الحي الضيقة. كما أنه كذلك مكان يستمتع بالتنزه فيه مع أسرته مرة أو مرتين سنويا، ببيوته البورجوازية القديمة المطلة على البحر والمواجهة للميناء الشرقي الفاتن والمزدحم بالمراكب الصغيرة. في المقابل يرى الباحث السياسي المصري عمرو علي الذي عاد منذ فترة قريبة من أستراليا حيث تربى وتعلم إلى مصر حيث وُلد، والذي كتب كثيرا عن المدينة في السنوات الأخيرة (2010 إلى 2016) أن قلب الإسكندرية بالنسبة له هو الأحياء البورجوازية التي ظهرت في أوائل القرن العشرين والتي تبعد عن بحري بضعة كيلومترات شرقا: كامب شيزار والإبراهيمية وكليوباترا وسيدي جابر. بين هاتين المنطقتين تقع منطقتا محطة الرمل والمنشية، وهما وسط المدينة التاريخي للمدينة الذي كان يسيطر عليه الأوروبيون في زمن مضى. يتميز وسط المدينة ذاك الآن بالمقاهي الشعبية، وشوارع التسوق الحية، والمتسوقين والمتسكعين الذي يتجولون في الميادين والشوارع التي مازالت تحمل السمة المميزة للعصور الغابرة (علاء خالد 2012). بالنسبة لكثير من الكُتَّاب وآخرين ممن يتجمعون في المقاهي الواقعة هناك، تلك هي الإسكندرية الحقيقية. أما المصيفون القادمون من القاهرة والدلتا في الأجازات بدورهم فينتشرون على طول طريق الكورنيش الممتد لأكثر من 10 كيلومترات والذي يحاذي البحر – أو إذا كان بمقدورهم على شواطئ العجمي والمعمورة الأبعد نسبيا غربا وشرقا. بالنسبة لهم، تلك هي الإسكندرية.

كلما سألت الناس عن أين تقع الإسكندرية الحقيقية بالنسبة لهم، أحصل عادة على ردود تتعلق بشاطئ البحر. قد يختلفون فيما يتعلق بالطبقة (كما بين مصطفى وعمرو علي) وفيما يتعلق بالاهتمامات (كما بين المثقفين والمصيفين)، لكن يبقى هناك اتفاق كبير حول شاطئ البحر المتوسط باعتباره الموقع الصحيح للمدينة. ولكن خلال المائة سنة الماضية، أثبتت روابط المدينة البرية أنها أكثر استدامة.

الإسكندرية التي أسس لها الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد، لا تحمل اليوم إلا القليل من الآثار الظاهرة لتاريخها الطويل. إن الإسكندرية المعاصرة هي ابنة التوسع التجاري والثورة الصناعية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. أما سكانها الذين تزايد تعدادهم بمعدل سريع فقد تكونوا بشكل أساسي من المهاجرين القادمين من صعيد مصر والنوبة والريف القريب، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الرعايا الأجانب والعثمانيين الذين انتقلوا إلى مصر. كانت إسكندرية الحقبة الاستعمارية كذلك مدينة التفاوتات والصراعات الهائلة، وكان يمكن لها أن تدوم فقط طالما دام وضع المواطنين الأجانب ذوي الامتيازات. في خمسينيات القرن العشرين جاءت نهاية الإسكندرية المُهيمَن عليها من الأوروبيين. فبعد سياسات عبد الناصر القومية والاشتراكية، اضطرت الجاليات الكبيرة في الإسكندرية؛ اليونانية والإيطالية واليهودية، إلى مغادرة المدينة التي أصبح يحكمها الآن المصريون المتحدثون بالعربية من مسلمين ومسيحيين. هؤلاء الذين كانوا هم أو آباؤهم يوما ما قادمين جددا للمدينة كذلك، والذين أتوا إليها كمهاجرين من الريف والحضر وأعادوا إنتاج تعددية مصر داخلها.

ومازال الناس يأتون: مهاجرون ومسافرون من الريف والحضر، ولاجئون من سوريا وليبيا، وطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي يدرسون في جامعة الأزهر، وسياح مصريون وعرب وعدد أقل من الآسيويين والغربيين. لكن هذا الخليط لا يلفت انتباه الزوار والصحفيين الغربيين كخليط كوزموبوليتاني، لأن الكوزموبوليتانية – خاصة عندما يأتي الحديث إلى الإسكندرية – تساوي الأوروبيين. هذه النزعة الأوروبية للكوزموبوليتانية السكندرية يُعاد إنتاجها بشكل ملحوظ في الطريقة التي تستخدم بها كلمة cosmopolitanism في العربية ككلمة فرنسية / إنجليزية مستعارة: "الكوزموبوليتانية"، رغم أن هذا المفهوم يمكن ترجمته بسهولة إلى العربية بالـ "عالمية" أو "المواطنة العالمية" (خالد رؤوف 2016).

لا عجب إذن في أن أي شيء حدث بعد الخمسينيات نادرا ما يأتي له ذكر في السرديات النموذجية لكوزموبوليتانية المدينة المزعومة. وقرب نهاية القرن العشرين، بدأ تحول جديد للمدينة، نتيجة للعمران المتسارع ونمو العقارات. إن الأجزاء الأكثر كثافة من الناحية السكانية في الإسكندرية اليوم ليست هي الأحياء المركزية القديمة، لكنها تلك المناطق الجديدة العديدة التي نمت شرق وجنوب وغرب المدينة: العجمي، الهانوفيل، سموحة، فيكتوريا، ميامي، سيدي بشر، العصافرة، أبو خروف. تحمل بعض هذه الأماكن أسماء من الحقبة الاستعمارية، لكن الآثار المادية لتلك الأيام قد انمحت إلى حد كبير. فالفيلات والبيوت الصغيرة التي أقيمت فيما مضى قرب شاطئ البحر شرق وغرب الإسكندرية المركزية قد أزيلت – باستثناءات قليلة – وحلت محلها أبنية شاهقة الارتفاع.

في الوقت الذي ارتبطت فيه إسكندرية الشواطئ وماضيها "الكوزموبوليتاني" بحكايات الأجازات وصور ومجازات عن مصر ليبرالية منفتحة على العالم، أصبحت إسكندرية الداخل معروفة كمركز للنشاط الإسلامي منذ سبعينيات القرن الماضي. في العقدين الماضيين، أصبحت الحركة السلفية لاعبا دينيا رئيسيا في المدينة، منافسة لجماعة الإخوان المسلمين على الأتباع (دوشامب – لابورت 2014). إن الإسكندرية كمدينة ذات تراث إسلامي قليل الوضوح (باستثناء بعض أضرحة الأولياء المسلمين التي يعتبرها السلفيون من علامات الشرك غير الإسلامية) هي موقع نموذجي للسلفية، كنمط من التدين يهمش التكوين التاريخي للإسلام وتصر على أن النقطة المرجعية الشرعية الوحيدة هي حياة النبي محمد وصحابته، والتي يجب اتباعها بدقة ونقاء كدليل إرشادي. إن الرؤية اللا تاريخية للسلفية تتوافق تماما مع دوافع مقاولي العقارات في الهدم والبناء. الجدير بالذكر أن كلا من السلفية والمضاربات العقارية هما في الواقع حركتان عولميتان لا تمثل الحدود الوطنية والهويات لهما إلا مرتبة ثانوية. ومع ذلك فإن السلفيين والمضاربين العقاريين – مثلهم في ذلك مثل المهاجرين الريفيين واللاجئين السوريين – لا ينسجمون مع السردية النموذجية لكوزموبوليتانية الإسكندرية. (انظر مثلا تروب Traub 2014).

بالرغم من تعداد سكانها البالغ ستة ملايين نسمة، تعاني الإسكندرية اليوم من إحساس بالوجود الإقليمي في ظل القاهرة، عاصمة مصر ذات المركزية الشديدة. إن أهل الإسكندرية – خاصة هؤلاء الذين تعيش عائلاتهم في المدينة منذ أجيال – يحملون غالبا هوية محلية صريحة وفخرا ممزوجين بعقدة نقص نحو العاصمة. إن السؤال المتعلق بالهوية وموقع المدينة هو كذلك جزء من نزاع سياسي على مستوى البلد بأكملها حول ما الذي يُكوِّن مصر. هل مصر في الأصل بلد عربي إسلامي؟ أم هل هي بوتقة فريدة للحضارات؟ هل تقع مصر في أفريقيا أم في الشرق الأوسط أم في دول البحر المتوسط؟ من الذي لديه الحق في تحديد قيمها وهويتها – البورجوازية الحضرية القديمة، أم الطبقات الشعبية، أم الأغنياء الجدد، أم الجيش؟

بغض النظر عن آرائهم السياسية والدينية، وأصولهم وموقعهم الطبقي، يُقدِّر أهل المدينة بشكل عام البحر، حتى لو كانوا نادرا ما يتمكنون من التمشية على شاطئ البحر في أوقات فراغهم. في الأمسيات الدافئة، يصبح الكورنيش مزدحما بالعائلات، وأزواج العشاق، ومجموعات الأصدقاء، والسائرين وحدهم. كثير منهم يجلسون ويتطلعون نحو البحر، نحو الأضواء التي يمكن رؤيتها في الأفق. قيل لي أنها أضواء قبرص.

يعترض المتشككون قائلين أنه من المستحيل بالفعل رؤية قبرص لأنها على مبعدة أكثر من 500 كيلو متر من الإسكندرية، وأن الأضواء التي في الأفق تخص أرصفة الغاز ومراكب الصيد. لكني لست مهتما باستقصاء ما إذا كانت هي قبرص بالفعل تلك التي يرونها. إنما أنا مهتم بالنظرة نفسها، نظرة السائرين ليلا وهم يتطلعون إلى الأضواء الخافتة في الأفق. تلك النظرة تقول شيئا عن موقع المدينة المتناقض بين تكتل عمراني متكدس ومنعزل وغير جذاب إلى حد كبير يمتد نحو الداخل – حيث تعيش وتعمل الغالبية العظمى من سكانها – وبين شاطئ البحر باعتباره الموقع الأسطوري للمدينة والمحمل بقيمة مفترضة مسبقا حيث يمكن للسكان والزوار تخيل وتقدير الإسكندرية كشيء جميل وسحري، حتى لو لم يكن بمقدورهم إلا نادرا أن يشقوا طريقهم بالفعل إلى الوجه الجميل للمدينة. إن قبرص التي يراها هؤلاء المتنزهون على الكورنيش هي جزء صميم من الإسكندرية. لكن تلك النظرة نحو قبرص بدلا من أن ترسخ موقع الإسكندرية كجزء من عالم البحر المتوسط، تلقي الضوء على تباين هذا البحر، على تحوله ليصبح حدا يقسم ويفصل أكثر من كونه وسيلة تواصل تربط وتوحد.

إن الإسكندرية كمدينة حدد البحر موقعها بشكل أسطوري، يحددها كذلك وجود حدود تقع مباشرة في قلبها العمراني. إن الحدود الدولية المتمثلة في البحر الأبيض المتوسط تتوازى معها الحدود الطبقية التي تمتد بين الأحياء البحرية والداخلية، وبين الضواحي الكثيرة المقسمة طبقيا والممتدة على نحو أبعد نحو الداخل. ترسخ تلك الحدود بدورها الغريب أو الآخر كشخصية رئيسية في الأساطير التي يمكن حكيها عن المدينة. إن الحكي عن ما هي الإسكندرية وأين تكون يتضمن عادة بعض الحكي عن علاقات الغرباء والآخرين التي تُكوِّن المدينة – سواء تم إضفاء الرومانسية عليهم باعتبارهم ممثلين "للعصر الكوزموبوليتاني" كما هو الحال عادة، أو عوملوا باحتقار باعتبارهم ممثلين للمدينة المضادة في هلال الضواحي كما هو الحال غالبا.

لكن ما يجعل الأدب مثيرا للاهتمام كموقع إنتاج لمثل هذه الأساطير، هو أنه غالبا ما يخلق أساطير ذات التواءة ما، أساطير تحاول أن تغير ترتيب القصص التي تستحق الحكي.

3- غربال

تلك هي الإسكندرية التي وُلد فيها المحامي والشاعر حمدي زيدان عام 1972: حي غربال في الجنوب الغربي من وسط المدينة القديمة، واحد من أحياء الإسكندرية الشعبية القديمة. هاجر أجداده إلى الإسكندرية من الصعيد في النصف الأول من القرن العشرين واستقروا هناك. كان والده مغني أفراح، وبدأ اهتمامه بالأدب والموسيقى في سن مبكرة. يصف حمدي غربال – حي طفولته وصباه – بأنه مصدر إلهامه الرئيسي، مجتمع محافظ ومنفتح في الوقت نفسه. غربال حي ذو كثافة سكانية عالية وشوارع ضيقة صُممت في شكل شبكة مربعات حديثة. في طفولته كانت البيوت ذات طابقين فقط مبنية بالطوب وطابق ثالث مبني بالصاج والخشب. تشاركت عائلات عديدة طابقا واحدا أو شقة واحدة، بمطبخ وحمَّام مشتركين. كان هناك مسيحيون ومسلمون، وأناس من مختلف أنحاء البلد يعيشون سويا. ومع تكدس البيوت، كانت الحياة تدور في الشوارع. كما يقول حمدي؛ كان هناك سحر ما في الشوارع المصنوعة من البازلت، ذات الدرجات الحديدية والأعمدة الحجرية: "الحي دا بيخلق الدراما والجدل. المكان إدَّاني المفتاح السحري للغة."

التحق حمدي بالجامعة عام 1990، بعد أسابيع من احتلال صدَّام حسين للكويت، وقبل فترة قصيرة من انهيار الاتحاد السوفييتي. كان هذا زمن تحطم الأفكار الكبرى للاشتراكية والقومية العربية التي كانت قد ألهمت الكثير من الكُتَّاب والمثقفين. قرب هذا الوقت أصبح حمدي ناشطا في حلقة أدبية نشرت مجلة (خماسين) الأدبية ذات العمر القصير والتي كانت منحازة لجماليات أدبية لصيقة باللغة والحياة اليومية، وابتعدت عن الرمزية المعقدة والالتزامات الأيديولوجية للجيل السابق. يقول حمدي أن (خماسين) حملت سمة اللحظة التاريخية المميزة لليوتيوبيات المحطَّمة. استمتاعًا بـ "بهجة التفاصيل"، جاءت الكتابة بأسلوب بسيط عن موضوعات عادية:

"شفنا إن الفن مش إجابة، لكن طريقة لطرح الأسئلة. الكاتب مش هو المبدع الأصلي للعمل الأدبي. لكنه بيكتشف الحالة الشعرية في الشوارع. قدمنا ده في مواجهة أدب راسخ ما بقاش بيروقراطي بس في مؤسساته لكن كمان في أسلوبه. ماكناش بنحاول ننقذ العالم، قد ما كنا بنحاول ننقذ الذات."

في تسعينيات القرن العشرين، اعتمدت الحياة الأدبية في الإسكندرية على شبكة من المراكز الثقافية التي تديرها الدولة والمنتشرة عبر المدينة. كان الكُتَّاب المحافظون والطليعيون يجتمعون في نفس الأماكن. قرب عام 2000، بدأ مشهد "مستقل" جديد (بمعنى أنه مستقل عن وزارة الثقافة) يظهر في عدة أحياء رئيسية قريبة من وسط مدينة الإسكندرية. ومنذ بداية الألفية الثالثة حدث انفجار من المساحات الثقافية والأدبية الجديدة في المدينة، مصحوبا بانقسام بين القطاع العام والمواقع "المستقلة"، كلٌ برفقة أساليبه الجمالية (المؤلف ومختار سعد شحاتة 2016). كان حمدي وأصدقاؤه جزءا من موجة المنظمات غير الحكومية. واليوم حمدي هو مدير جمعية اسكندريلا التي أخذت على عاتقها مهمة التوثيق والإحياء لتاريخ المدينة الحضري وذاكرتها، والتي تنظم مهرجانا سنويا في ذكرى الملحن والمطرب سيد درويش (1892 – 1923) في مسقط رأسه بحي كوم الدكة.

بحلول عام 2016، خضع المشهد الثقافي صاحب التمويلات الدولية والخاصة لضغط كبير من الحكومة التي رأت فيه مجالا محتملا للتدخل الأجنبي والمعارضة السياسية. أصبح الحصول على تمويل أمرا صعبا بشكل متزايد، وأُغلقت مشاريع ومساحات كثيرة أو قلصت نشاطاتها. لكن في خريف عام 2011، كانت الأمور مازالت تبدو مختلفة. كانت ثورة 25 يناير قد أحدثت انفجارا ثقافيا. كانت هناك مساحات جديدة تُفتح وفعاليات تُنظَّم، وكانت عادة تكتسب عددا جيدا من الجمهور. وكجزء من بحث ميداني مشترك كنت قد بدأته مع الروائي مختار سعد شحاتة، كنا نحضر المعارض والندوات في الكابينة، وهي مساحة ثقافية مستقلة كانت قد افتُتحت قبل شهور. خلال وجودها الذي استمر خمس سنوات (2011 – 2016) نمت الكابينة بسرعة لتغدو نقطة التقاء هامة لأوساط وتجمعات ثقافية لها صلات دولية أو بورجوازية أو منحازة للثورة سياسيا أو يسارية أو ليبرالية أو علمانية، ذات أذواق طليعية. اشترك حمدي في حدثين. كان الأول معرض فوتوغرافيا لصور خاصة جمعها ماهر شريف، وهو كاتب ومصمم كُتُب من أصل نوبي، ومثل حمدي كان عضوا مؤسسا لجمعية اسكندريلا (فيما بعد، افترقت بهما السُبُل). كان المعرض الذي حمل عنوان (قلبي ألبوم) يقدم صورا فوتوغرافية عائلية معظمها من خمسينيات وستينيات القرن العشرين. جذبت انتباه الجمهور صورُ النساء المرتديات مايوهات السباحة الأنيقة على الشواطئ العامة لساحل المدينة – وهو الشيء الممكن فقط اليوم بعد عقود من الصحوة الإسلامية في شواطئ خاصة مقصورة على فئات اجتماعية معينة. بالنسبة للناس الذين جاءوا إلى الافتتاح، قدمت هذه الصور القادمة من "عصر المايوه" مجالا لتخيل زمن متحرر بلا كدر قبل الصحوة الإسلامية بتخوفاتها الجندرية، زمن بدت مصر فيه كبلد حديث أكثر مما هي عليه الآن.

بمشاهدة هذه الصور اليوم، من السهل نسيان أنها تُظهر بشكل أساسي الطبقة البورجوازية الحضرية المصرية في خمسينيات القرن العشرين، وفي أفضل الأحوال سكان الحضر الصاعدين اجتماعيا في الستينيات. كان أهل الريف المصريون يعيشون في ظل ظروف مادية أكثر قسوة مما هي عليه اليوم. قد تكون بنات ساكني المدن اليوم أكثر تحفظا فيما يتعلق بثياب الشاطئ، لكن بنات الريفيين اليوم لديهن مدخل أوسع للتعليم، وأقل عرضة للزواج في بداية سن البلوغ. إن الشعور بالنوستالجيا نحو عصر المايوه يُحيِّد تاريخ عدم المساواة والمظالم الطبقية، التي استمر الكثير منها طوال الحقبة الناصرية رغم حراكها الاجتماعي الكبير. هذه العملية تتوافق مع حساسيات أبناء الطبقة البورجوازية الحضرية الذين يرون أن الإسكندرية النامية عشوائيا على يد المهاجرين الريفيين المحافظين غريبة ومهددة لإسكندريتهم الأصيلة الجميلة. كما أن تلك النوستالجيا جذابة جدا للزائرين والباحثين الأوروبيين ووكالات التمويل الأوروبية. والأهم أنه تم الترويج لها بحماس كذلك على يد وسائل إعلام الدولة والمؤسسات الثقافية المصرية منذ العقد الأول من الألفية الثالثة (عوض وحمودة 2006).

في مناقشة أثناء الافتتاح، تحدث حمدي عن أهمية إبقاء هذه الذاكرة حية لكن مع تذكُّر أنه لم يكن زمنا كامل الأوصاف بالمثل. وأشار إلى أن النوستالجيا المستثمرَة في هذه الصور تُخفي المجتمع الطبقي والفقر والهيمنة الأجنبية في مصر قبل عام 1952. وعلى الرغم من ملاحظته النقدية، إلا أن حمدي أكد على أنه يجب الحفاظ على الإسكندرية القديمة وتذكرها وإحياؤها – لكن مع الوعي بتناقضاتها.

وهذه نقطة جعلها أكثر وضوحا في ندوة عن شعره بعد أسبوع. بربطه لذكرى صباه وطفولته بشعره الحر المكتوب بالعامية المصرية، أجمل حمدي رؤيته الأدبية والسياسية للمدينة:

"أنا مهتم بدراسة اسكندرية كمثال للحالة الإنسانية اللي بنعيشها في كل مكان في العالم – مثال للتعددية والانفتاح والتسامح. [...] اسكندرية اللي بدأت بالإسكندر الأكبر جملة مالهاش نقطة، مالهاش نهاية محددة..."

الإسكندرية الحقيقية بالنسبة لحمدي ليست هي الأحياء البورجوازية والكوزموبوليتانية المطلة على البحر، بل هي الأحياء الشعبية القديمة التي تأوي المهاجرين من أجزاء مختلفة من مصر، الذين يعيشون سويا في مساحة ضيقة، لكنهم يشعرون أن المدينة بأسرها ملكهم. إنها تلك المدينة – إلى حد كبير هي مدينة طفولته، التي مازالت تتذكر العصر الاستعماري، المتصلة بتاريخ ما والمتطلعة إلى مستقبل أفضل، الراسخة الأصول وفي نفس الوقت المتسامحة وذات العقلية المنفتحة – التي يرفعها حمدي إلى مرتبة قاعدة أخلاقية يجب أن تستمر في العيش، بالرغم من وضد القوى التي صارت تهيمن على المدينة من وقتها. إن تحديد موقع أسطورة الإسكندرية المدينة المفتوحة في أحيائها الشعبية القديمة يقف في إطار تراث أدبي أقدم رسَّخه إدوار الخرَّاط (1993؛ 1999) وآخرون (كراره 2006) بالفعل قبل زمن حمدي. بالنسبة لحمدي، هناك ثيمة أساسية في رؤيته، وهي العلاقة مع الآخر، خاصة المسيحي والأجنبي. تلك العلاقة مشحونة وجذابة في نفس الوقت كما في قصيدته (رغبة بيضا):

الست فرنسا

اللي بتلم شمع الكنيسه

عشان تسيَّحه في بيتها، عشان تبيعه تاني لنفس الكنيسه

جارتنا المسيحية

عرفت ده لوحدي وأنا صغير

من الصليب القش الإسود الكبير

اللي كان على صدر فستانها الإسود القصير

وشعرها الفضي لون الشمع السايح.

جارتنا الخرسا

صرخت لمَّا الشمع المغلي اتكب عليها

صرخت.. وماحدش حس بيها

زيّ رغبتي المغليه في قلبي القش

لاحظت تناقضا غريبا في المواقف فيما يتعلق بالتراث والتقدم في تلك الفعاليات. فقد كانت تحدث في وسط ثقافي يرى نفسه تقدميا في مواجهة تيار ديني محافظ وكذلك نظام الدولة الاستبدادي. ومع ذلك كانت النغمة السائدة هي نغمة النقد الثقافي لنسيان وتدمير التاريخ المتضمنين في الصحوة الإسلامية. كانت الطليعة الثقافية والأدبية المعلنة ترفع عاليا شعار تذكر الماضي والاتصال بالتراث في مواجهة موجة تديُّن يميزها نسيانٌ حداثي السمات للتاريخ.

إن الدعوة إلى إحياء تراث أو تاريخ ما تتضمن مطالبة بالسلطة: كما أشار طلال أسد (2014)، فالتراث والتقاليد ليست أشياء دائمة بديهية. بل هي ساحة ونتاج نضالات من أجل السلطة لتحديدها وإعادة إنتاجها والقيام على حراستها. إن أسطورة حمدي عن الإسكندرية كقاعدة للانفتاح تقع في غربال أكثر من الأحياء المطلة على البحر هي محاولة لانتزاع بعض من سلطة الأسطورة الكوزموبوليتانية من البورجوازية الأوروبية إلى أيدي الطبقة العاملة المصرية. ومع ذلك تظل جاثمة في السردية الكوزموبوليتانية الأوسع والمطالبة المصاحبة لها من المثقفين والبورجوازية الحضرية بسلطة تحديد المدينة. على الرغم من كونها قاعدة للانفتاح، إلا أن إسكندرية حمدي ليست منفتحة في كل الاتجاهات.

4- أبو خروف

تلت ذلك مناقشة طويلة في الندوة. ومن بين مَن وجهوا الأسئلة كان مختار. مختار لديه علاقة مختلفة مع المدينة: "يمكن عشان أنا نقلت لإسكندرية من 7 أو 8 سنين بس، ومابحبهاش بنفس الطريقة." تساءل مختار لِمَ لا يكتب الكُتَّاب السكندريون في هذه الدائرة إلا عن الإسكندرية القديمة. وطالب بوجود أدب من أجل وعن الأحياء التي كانت ذات يوم بيوتا صغيرة وحدائق، وتحولت الآن إلى "غابة إسمنتية"؛ المندرة، شارع 45، أبو خروف. قال مختار أن هذه الأماكن لا تُذكر أبدا في قصص المدينة، لكنها أماكن أكثر حدة وقسوة للحكي عنها من بعض الأحياء القديمة سيئة السمعة مثل غيط العنب (من أجل الأخير انظر نائل الطوخي 2014). وقال مختار أنها أماكن يمكن ويجب الكتابة عنها: "أبو خروف ممكن تساوي الجمالية عند نجيب محفوظ."

بهذه الدعوى، كان مختار يطالب بمكان لكتابته هو نفسه. في ذلك الوقت كان يرسم الخطوط العريضة لرواية يدور جزء من أحداثها في أبو خروف وجزء آخر في غيط العنب. (بعد ذلك بفترة قصيرة أوقف العمل على مخطوطها، ولم يعد إليه إلا في أواخر عام 2014.)

لم يتفق معه حمدي. كان قد عاش بالفعل في أبو خروف لأكثر من عشر سنوات. هناك كُتَّاب من الوسط البورجوازي لا يعرفون بالفعل هذا الجانب من الإسكندرية، لكن حمدي يعرفه عن ظهر قلب. رد حمدي بأن هذه الضواحي التي تنمو حول المدينة هي أشبه بسرطان يهاجمها. على العكس من التعددية والانفتاح والعراقة في جمالية محفوظ (أو غربال حمدي) رأى حمدي في المناطق العشوائية مثل أبو خروف النقيض التام لفكرة الإسكندرية. وقال أنها "زيّ قندهار" (عاقدا مقارنة بين معقل طالبان في أفغانستان وهيمنة الحركة السلفية في أبو خروف)، وأنها أماكن انهارت فيها العلاقات الاجتماعية، وتجسد ذلك في المراهقين القادمين من المناطق العشوائية ليملأوا محطة الرمل خلال الأعياد الإسلامية للتحرش بالنساء وبأي شخص يبدو غير مألوف.

إذا كانت الإسكندرية بالنسبة لحمدي هي حلم بعالم أفضل، وذكرى يجب إحياؤها من أجل مستقبل أفضل، فإنها بالنسبة لمختار هي الواقع الصادم لمدينة منقسمة حيث يحاول البعض إحياء العصر الكوزموبوليتاني لها بينما يحولها آخرون إلى قندهار، مدينة بحرية بها ناس يعيشون في أحياء عشوائية داخلية لم يروا البحر أبدا. بعد القراءة التي حدثت في الكابينة عام 2011، انتقد مختار مثقفي وسط البلد على عزلتهم المفروضة التي يخلقونها بالاحتفال بذكرى الإسكندرية القديمة ورفضهم للغابة الإسمنتية. بفعلهم هذا – كما قال لي – فإنهم يغلقون على أنفسهم في دائرة صغيرة، وبرفضهم لواقع المدينة يفشلون في الوصول إلى الغابة الإسمنتية.

تلك هي الإسكندرية التي انتقل إليها مختار عام 2004، في سن الثلاثين: حيث يعمل في مدرسة حكومية في أبو خروف؛ وهي منطقة فقيرة بها أقلية مسيحية كبيرة، ومعروفة بمعدلات الجريمة المرتفعة والتأثير القوي للحركة السلفية. انتقل مع أسرته (كان قد تزوج حديثا عندئذ) إلى شقة صغيرة في العصافرة على الجانب القبلي الأفقر من شريط القطار، وبعد عدة سنوات انتقل أبعد شرقا إلى المندرة، أيضا على الجانب الفقير من شريط القطار لكن أقرب إلى البحر والمناطق الراقية، ومتصلا بشكل أفضل بالمواصلات العامة. لم ينتقل مختار إلى الإسكندرية وفق رغبته. وُلد لعائلة من الصيادين بقرية في شمالي الدلتا، وعاش لفترة قصيرة في القاهرة بعد تخرجه، ثم عمل مدرسا في قريته وفيما بعد في برج العرب. ومن هناك تم نقله إلى شرق الإسكندرية عام 2004. لأعوام كثيرة، كانت القاهرة هي المدينة التي كان يريد العيش فيها بالفعل، وكانت الإسكندرية برمتها هي مدينته المضادة.

في ذلك الوقت، كتب مختار روايته الأولى (لا للإسكندرية) ونشرت عام 2010. وهي رواية سيكولوجية في ثوب قصة جاسوسية، وتحكي عن (سعيد) وهو رجل تعيس للغاية يؤسس لنفسه مكانا في العصافرة بالإسكندرية لكنه يغادرها إلى السعودية كعامل مهاجر، ثم إلى أفغانستان كعضو في القاعدة، وأخيرا إلى ألمانيا حيث يكون أصدقاؤه الحقيقيون الوحيدون هم جواسيس تطلقهم وراءه وكالات مخابرات مختلفة. إنها قصة الكثير من الأوهام، وتظهر الإسكندرية نفسها فيها معظم الوقت كإسقاط أكثر من كونها مدينة حقيقية. في قرية مختار الأم، يذهب الفقراء إلى المستشفيات العامة في الإسكندرية عندما يكونون مرضى بشكل خطير، وهو السبب في أن الإسكندرية معروفة هناك كمدينة لا عودة منها، المدينة التي يموت فيها المرء. أيضا بالنسبة لسعيد الشخصية الروائية، الإسكندرية هي مدينة اللاعودة لأنها مرتبطة بذكريات مؤلمة للغاية حتى أنه لا يستطيع العيش معها. إنها ليست حلما، وليست قيمة يجب إحياؤها، بل واقع كئيب من الهجرة الريفية – الحضرية ممتزج بخيالات كابوسية عن الموت والجنون. لا سيما أنها تقع في "الغابة الإسمنتية" بالعصافرة وأبو خروف.

في نوفمبر من عام 2014 تمشيت أنا ومختار عبر أزقة أبو خروف التي يعرفها جيدا لكنه لا يشعر فيها أبدا بالأمان أو الراحة. قال إنه لا يحب المكان، لكنه كان قادرا على الكتابة عن تناقضاته ومفارقاته، على وصفه وفهمه بطريقة لم يتمكن منها حيال قريته وعائلته (الموضوع المحتفى به في روايته "تغريبة بني صابر" الصادرة 2013). إن منطقة أبو خروف في روايته الثالثة (عصافرة قبلي، 2017)، والتي يتم الحكي عنها بين الماضي القريب والمستقبل الوشيك، منطقة مقسمة بخطوط عازلة وطبقية. في المستقبل القريب في الرواية، يعيش المسيحيون والمسلمون في تجمعات سكنية منعزلة ومنفصلة. فقط الأكثر فقرا هم المجبرون على العيش المختلط. فقط الخوف والكراهية هما اللذان يوحدان أحيانا السكان المنقسمين للوجه القبيح للمدينة. إن العلاقة المثلثة بين خطوط الطبقة والمكان المعزول والتي تشكل خيط السرد في الرواية لا تؤكد على رؤية الانفتاح والتسامح، بل هي بالأحرى تحكي عن الحب والصداقة باعتبارهما شيئا ثمينا واستثنائيا في عالم لا يسمح في الحقيقة بمثل هذه الاستثناءات.

5- بيت كفافيس

ربما تقع الإسكندرية في موقعين مختلفين بالنسبة لحمدي ومختار، لكنها دائما ما ترتبط بمسألة العيش مع المختلف. فهما الاثنان مهتمان بالعلاقة المعقدة مع الأشخاص ذوي الأصول واللغات والأديان وأساليب الحياة والقيم المختلفة باعتبارهم أمرا مرغوبا وله قيمة، لكنه كذلك أمر إشكالي ومشحون بالتوتر. والملفت للانتباه أنهما هما الاثنان يحددان موقع الإسكندرية في الداخل، على مسافة ما من البحر.

إن أسطورة الإسكندرية الكوزموبوليتانية الواقعة على شاطئ البحر (والتي تظل هي الأسطورة المهيمنة للمدينة) هي أيضا قصة العيش مع المختلف. وهي تحكي أحد مرويات سردية "المدينة المفتوحة" التي تلقي الضوء على شخصية "الخواجة"؛ وهي الكلمة المستخدمة في العامية المصرية لوصف الشخص الأوروبي الأصل غير المسلم المقيم في مصر (عوض وحمودة 2006، مابرو 2006). الخواجة شخص ذو دلالات متباينة في مصر، يجمع بين السلطة ما بعد الاستعمارية، والبارانويا الوطنية، والعمل السياحي، والذكرى الرومانسية للتعايش الاجتماعي في أوائل القرن العشرين. لقد أعار الخواجة شخصيته (الذكورية النوع) لفكرة "عقدة الخواجة" التي تصف تلك العلاقة من الهيمنة ما بعد الاستعمارية والتي يؤخذ فيها الأشخاص ذوو الأصول الغربية على محمل أكثر جدية ويُعامَلون باحترام أكبر، سواء كانوا يستحقون ذلك أم لا. بمرور الوقت، أصبح الخواجة اليوناني والإيطالي بشكل خاص (ذلك الذي لم يكن مستعمرا مثل الإنجليزي وليس عدوا اليوم مثل اليهودي، والذي هو من الناحية الثقافية أشبه قليلا "بنا") على قدر أكبر من التهميش الاجتماعي وفي نفس الوقت أكثر إثارة للتعاطف والاهتمام كشخصية أدبية (مثلا ماهر شريف 2013، الشيماء حامد 2014).

في تسعينيات القرن العشرين، طورت دائرة الكُتَّاب الشباب الملتفون حول مجلة (خماسين) اهتماما ما بتاريخ الأدب غير العربي الصادر من الإسكندرية. كانت الإسكندرية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين موطنا لكثير من الكُتَّاب باليونانية والإيطالية والإنجليزية. وكان أشهرهم هو الشاعر اليوناني قنسطنطين كفافيس (1863 – 1933) الذي عاش معظم حياته في الإسكندرية. وقد غدت شقة كفافيس بالقرب من شارع النبي دانيال متحفا حاليا. كفافيس ذائع الصيت في الدوائر الأدبية، وقد نُشرت مؤخرا رواية مصورة باللغة العربية عن حياته (ميّ كُريَّم والشيماء حامد 2015). لكن بالعودة إلى تسعينيات القرن العشرين، كان حمدي زيدان وخالد رؤوف (الذي أصبح فيما بعد مخرجا مسرحيا ومترجما للأدب اليوناني إلى العربية) يبدآن للتو في اكتشاف آثار كفافيس في الإسكندرية. وفي محاولة للعثور على بيته القديم، دخل الاثنان عمارة من القرن التاسع عشر (تبين لاحقا أنها كانت البيت الذي وُلد فيه كفافيس، وليس البيت الذي عاش فيه بعد بلوغه سن الرشد). سألهما السكان عمَّن كانا يبحثان. أجابهما الشابان موضحين أنهما كانا يبحثان عن بيت الشاعر كفافيس. أخبرهما السكان أنه لم يعش أحد بهذا الاسم في ذلك البيت. أوضح الشابان أن الشاعر قد مات منذ زمن طويل. فتساءل السكان بشك متزايد: "بتدوَّروا ليه عليه إذا كان ميت؟" وخلطت امرأة بين كلمة كفافيس وكلمة "كفاتس" وهي كلمة عامية ازدرائية تشير إلى المسيحيين: "مافيش كفاتس هنا، امشوا من هنا يا كفاتس يا حرامية!"

بعد أربعين عاما من خروج معظم خواجات الزمن القديم من المدينة، تسبب البحث عن كفافيس في سوء فهم كوميدي يحكي الكثير عن الأزمنة المتغيرة. إن خبرة وإشكالية الاختلاف اليوم في الإسكندرية ليس لها علاقة كبيرة بالخواجات. لكنها بدلا من ذلك ذات علاقة أكبر بالتوترات بين المسلمين والمسيحيين، بين المصريين والسوريين، بين المهاجرين القدامى والجدد القادمين إلى المدينة، بين الحركات الدينية وأساليب العيش المختلفة، بين الأثرياء والفقراء، بين الطبقتين البورجوازيتين القديمة والجديدة، وبين أشكال الاستقطاب السياسي. وسط هذه الشبكة من الانقسامات المعاصرة للمدينة، يمكن أن تكون أسطورة الإسكندرية كمدينة مفتوحة – خاصة في قراءتها الأورو- كوزموبوليتانية البحرية، لكن كذلك في قراءتها الداخلية من خلال أحيائها الشعبية القديمة – علامة انغلاق في وجه كل هؤلاء الناس وأساليب الحياة التي تتصارع وتتنافس مع اليوتوبيا الحضرية الليبرالية الكوزموبوليتانية.

الإسكندرية كمدينة مفتوحة هي أسطورة مبهجة للغاية، ولكنها تتناسب بشكل جيد كذلك مع منح الشرعية لامتيازات الطبقة البورجوازية الحضرية والنظام الحاكم المصري. لقد أصبح الأخير مهتما على نحو واضح بترويج السردية الكوزموبوليتانية خلال العقدين الماضيين. كما أن تلك الأسطورة تسمح كذلك لوكالات التمويل الأوروبية والزوار الأوروبيين بالإبقاء على الامتياز المريح الذي يتمتعون به من خلال "عقدة الخواجة" دون أن يتحداه شيء ما.

والحاصل أن أساطير المدينة تبعا لهذا الإرث قد أصبحت عامرة بنوعين من الغرباء: هؤلاء الذين يتوافقون مع رؤية الانفتاح، وهؤلاء الذين يجب استبعادهم، بل وتدميرهم من أجل حماية هذا الانفتاح. ليس من قبيل المصادفة أن كثيرا من الناس (وإن لم يكن جميعهم) الذين تعاطفوا مع السردية الكوزموبوليتانية، قد تحالفوا في عام 2013 مع الوطنية العسكرية وقبلوا ضمنيا أو دعموا صراحة القتل الجماعي لمؤيدي الرئيس المعزول مرسي. إن الإسلاميين، برؤيتهم للطهر الأخلاقي والطائفي، وبتمركزهم القوي في أحياء شعبية مثل أبو خروف والمساكن الصينية، من السهل وصفهم بأنهم عين النقيض لروح الإسكندرية كما رسمها حمدي. عند رؤيتهم من وجهة النظر تلك، فقد كانوا تمثيلا لأيديولوجية المدينة النقيض، وكان لابد من استبعادهم وتدميرهم.