مدينة تطل على الغروب


على شريط ضيق بين البحر والبحيرة وبعيدًا عن مجرى النيل اختار الإسكندر تلك البقعة لبناء مدينته. لم يكن هذا أكثر اختيارات الإسكندر عبقرية بل على العكس كان أكثرها غباءً، ربما لا يتفوق عليه في الغباء سوى قرار الفاتح العظيم نفسه التوغل في متاهات الهند. للمدينة جو قاسٍ متقلب المزاج، يتراوح بين شتاء تملؤه النوات والعواصف والأمطار وصيف حار شديدة الرطوبة. ابتعاد الموقع عن النيل جعل المدينة في حاجة دائمة لعناية خاصة في توريد المياه وتخزينها وسهولة نسبية في حصارها وقطع المياه عنها. عبر تاريخها كانت الإسكندرية رمزا لمحاولات الإنسان خلق مدينته رغم أنف الطبيعة، وعبر تاريخها كانت المدينة رمزا لنجاحه النسبي في تحقيق ذلك رغم الخسائر الفادحة. أصاب ذلك الصراع بين محاولات الإنسان تطويع الموقع والتأقلم معه من ناحية والتقلب الخارج عن السيطرة لجو المدينة - أصاب شخصية المدينة بحالة من العصاب! يمكن لدرجة حرارة المدينة أن تقطع المسافة بين الصفر المئوي والخامسة والثلاثين درجة في بحر خمسة أشهر؛ بين ديسمبر ومايو، لا يمكن لتلك الحالة إلا أن تكون عصابا! لا شيء مميز في تلك المدينة الصغيرة، فهي لا تمنح الكثير من الفرص أو الاختيارات، ولا تقدم فضاءً واسعًا للآمال والطموحات.

كل شيء أكلته الرطوبة في المدينة المالحة، الأفق فيها يطل على الغروب. فالشمس لا تُري شروقًا إلا حين تمنح ظهرك للمدينة؛ هكذا وصمت الطبيعة المدينة برمزية لا يمكن تجاهلها. ومن الرمزيات الأخرى التي لا يمكن تجاهلها أن جو الإسكندرية لا يُطاق إلا خريفًا، الخريف هو فصل تلك المدينة المفضل. الإسكندرية تشبه دارا كبيرة لكبار السن، أولئك الذين يفضلون الغروب وجمالياته، والغريب أن الغروب فعلًا جميل في الإسكندرية صيفًا وشتاءً، ففي ذلك الوقت يُنصح دومًا بالجلوس على الكورنيش وتأمل الشمس وهي تغرق في المتوسط. ويُنصح أيضًا بالندب على الماضي، هذا إذا كنت تنتمي لأحد القطاعين الأكثر تطرفًا في المدينة: الإسلاميين والأرستقراطيين. أما إذا كنت تنتمي للحاضر في تلك المدينة، فليس أمامك وأنت جالس تتابع الغروب سوى محاولة اكتشاف الذات، فهذا هو الشيء الوحيد الجاد الذي تقدمه المدينة لنا، نحن الذين نعيش الآن.

الإسكندرية مدينة خفيفة، صغر حجمها وتاريخها الخجول نسبيًا يمنح أهلها الكثير من الوقت، بسهولة شديدة يستطيع السكندري قطع المسافة بين أقصى غرب المدينة وأقصى شرقها في ساعتين مع وجود وقت كافٍ لتناول القهوة في بورصة التجارية. وبصعوبة شديدة يمكن للسكندري اكتشاف آثار المدينة وحكاياتها المنسية، لا تصفعك المدينة، لا تصرخ بك؛ بل تسحبك بهدوء ناحيتها. فهي بطيئة الإيقاع لا تتميز بالصخب. كل تلك العوامل تجعل الإسكندرية مكانًا مناسبًا للتأمل واكتشاف الذات، على عكس المدن الكبرى، لا تقدم الإسكندرية الكثير من الإلهاءات، ولذلك فقد ألهمت الكثير من الفنانين، لأنها منحتهم تلك الفرصة النادرة: أجواء المدينة ونمط الحياة القروية الهادئة.

يمكننا الرجوع بعلاقة المدينة بالفن إلى عصر التأسيس، فالأخبار المنقولة تقول أن الإسكندر اختار تلك البقعة بالتحديد بعد أن رأى في منامه هوميروس ينشد أبياتًا من الأوديسة تذكر جزيرة فاروس «عند مصب النيل وفي خضم البحر الصاخب توجد جزيرة اسمها فاروس، في تلك الجزيرة مرفأ يأوي إليه البحارة ليتزودوا من نبعها بماء يعينهم على الانطلاق بسفنهم إلى أعالي البحار». هكذا كان ميلاد المدينة من حلم عن أسطورة، ثم ظلت علاقة المدينة بالأساطير تتطور حتى أصبحت المدينة ذاتها أسطورة. يمكنك أن تسير في شوارع الإسكندرية دون أن تعلم الكثير عن تاريخها، ويمكنك أن تستمتع ببعض المناطق ذات المباني الكلاسيكية الجميلة أو الآثار القليلة المتناثرة هنا وهناك، يمكنك أن تتسكع على الكورنيش وتأكل حمص الشام والجيلاتي، يمكنك أن تتنهد وتقول أن الإسكندرية مدينة جميلة، ولكن سرعان ما سينخر الملل عظامك إذا لم تكن تستطيع خلق مدينة خيالية تشبه الإسكندرية ولا تشبهها، هكذا فعل داريل في رباعيته عن المدينة، وهكذا فعل داوود عبدالسيد في فيلمه عن المدينة.

يبدأ لورانس داريل رواية جوستين - أولى روايات الرباعية - بإخطار القاريء أن جميع شخصيات العمل خيالية وأن المدينة وحدها واقعية. يختلف الكثيرون مع داريل حول تلك النقطة؛ فالكثير من الكتاب السكندريين مثل هاري تزالس يرون أن داريل فشل في نقل المدينة الحقيقية، فشل في نقل روح الإسكندرية، بل وقام عامدًا بتشويهها حين قدمها مملوءة بشخصيات مشوهة وقدمها على أنها هي السبب وراء ذلك التشوه. تحكي الرواية عن دارلي الانجليزي الذي يعمل في الإسكندرية، وتنقل لنا من خلال كلماته كراهيته للمدينة. يحكي لنا دارلي عن جوستين الإسكندرانية اليهودية التي يقابلها في فندق سيسل وسرعان ما يفتنه جمالها. جوستين متزوجة من نسيم المصري القبطي، ولكنها لا تمتنع عن الخوض في علاقة مع دارلي الذي يكتشف المدينة وذاته من خلالها. جوستين امرأة متحررة، لا تسمح للمدينة أو للمجتمع بإملاء قراراتها بالنيابة عنها. تنطلق جوستين باحثة عن حياة تستحق العيش، وتحاول اقتناص اللحظات والمواقف. وهي - تمامًا كالإسكندرية - تمتلك قدرة خاصة على دفع كل عشاقها لاكتشاف ذاتهم، فاثنان من عشاقها اكتشفا قدرتيهما على الكتابة، وكتب كل منهما رواية عنها بشكل أساسي. أحد هذين العاشقين هو دارلي الذي يروي لنا حكايته مع جوستين والمدينة. ولدت جوستين لعائلة فقيرة وتعرضت للاغتصاب في طفولتها. تشردت جوستين حتى التقطها أرناؤطي - عشيقها الأول - الذي قدمها للمدينة وقدم المدينة لها، هجرته فكتب عنها رواية. تزوجت جوستين من نسيم الثري قبل أن تتعرف على دارلي. طوال الوقت ظلت جوستين غير راضية عن حياتها، ظلت تحاول إيجاد هدف أو معنى، لكنها لم تدرك أنها كانت تمنح هذا المعنى لكل من عشقوها؛ فهي التي انتشلت دارلي من الملل ومنحته تجربة لم يستطع فهم أبعادها إلا بعد أن ترك المدينة، وهي التي منحت أرناؤطي قبله ذلك الإلهام لكي يكتب عنها. دارلي - راوي الحكاية - شاب مغيب يجد امرأة مرت بالكثير من الخبرات والتجارب تفتح له عالما جديدا حيث يمكنه اكتشاف نفسه، ولكنه أبطأ من أن يواكب جوستين، فهي أكثر مما يستطيع تحمله. يقول دارلي أن القدوم للإسكندرية واكتشاف الحب فيها كانا ضربة حظ سيء لم تستطع صحته أو أعصابه تحملها، ثم بعدها يحاول أن يبرر ضعفه عن مواكبة جوستين والمدينة فيقول أن التجربة ملأته بالكثير من الالتباس الذي لم يكن من السهل فك طلاسمه عن طريق الإرادة. هكذا تركت المدينة وصمتها على دارلي؛ فهو لم يكن مستعدا لملاقاة انعكاسه في مرآة المدينة الهائلة، فالمدينة كشفت له عن ضعف أعصابه وصحته وملأته بالكثير من الالتباس.

بعد مرور خمسين عاما على نشر رواية داريل ألهمت الإسكندرية قصة أخرى عن اكتشاف الذات. يحيى؛ بطل فيلم داوود عبد السيد رسائل البحر، يترك القاهرة بعد فشله في العمل كطبيب بسبب التأتأة التي جعلت مرضاه وزملاءه يتضاحكون عليه. لم تكن التأتأة مشكلة يحيى الوحيدة، فهو لم يرغب قط في دخول كلية الطب بل أجبره أبوه عليها كي يحافظ على اسم العائلة في مجال الطب. وفاة والديه وفشله في استكمال عمله كطبيب منحا يحيى فرصة ذهبية لاكتشاف من يكون وماذا يريد في الحياة، فانطلق إلى شقة الإسكندرية. استخدم داوود عبد السيد في بداية الفيلم مشاهد تبرز مباني الإسكندرية الكلاسيكية في محطة الرمل، وبهذا يرسم عبد السيد الخطوط التي سيسير عليها فيلمه منذ البداية. فالفيلم يتحدث عن مدينة قديمة يصارع من تبقى منها كي يحافظ على ما تبقى منها. المدينة لم تعد تشبه الصور التي يحتفظ بها يحيى في ذاكرته؛ فالبيت الذي تملك عائلة يحيى فيه شقة آلت ملكيته للحاج هاشم صاحب سلسلة محلات بقالة (سوبر ماركت)، وجارته الإيطالية وابنتها كارلا - التي كان يحبها يحيى في مراهقته - تستعدان للهجرة إلى إيطاليا. يقضى يحيى وقته في صيد السمك حيث يتعرض لمختلف تجليات جو المدينة القاسي، كل مشاهد يحيى على البحر إما في جو شديد المطر أو شديد الحرارة؛ فالمدينة لا ترحم. وفي لحظة تتعقد الأمور في حياة يحيى؛ فالمال الذي يتم إرساله من عزبة والديه لم يصل، والإسكندرية تضربها نوة مفاجئة مما يجعل يحيى غير قادر على الصيد، في تلك اللحظة يسقط يحيى مغشيًا عليه على الشاطئ، وحين يستيقظ يجد أن الجو قد تحول تمامًا إلى النقيض، ثم يجد زجاجة فيها رسالة. يحاول يحيى قراءة الرسالة لكنه يفشل، فيلجأ لمختلف الجنسيات التي تسكن المدينة ويفشلون جميعًا في معرفة لغتها. وهكذا، يفقد يحيى الأمل في معرفة الرسالة التي أرادت أن توصلها إليه المدينة؛ فأهل الإسكندرية فقدوا لغة مدينتهم وأصبحوا غير قادرين على التواصل معها. في الإسكندرية يشرب يحيى لأول مرة الخمر، ويتوه في شوارع المدينة التي تلقي في طريقه بنورا بعد أن فشل في إعادة علاقته بكارلا إلى سابق عهدها.

نورا امرأة اسكندرانية متزوجة من رجل أعمال يعيش في القاهرة مع زوجته الأولى، لكنها تحجب تلك المعلومات عن يحيى تاركة إياه يظنها عاهرة. قدمت تلك العلاقة لكل من يحيى ونورا المجال الكافي ليكتشف كل منهما نفسه. اكتشفت نورا أن علاقتها بزوجها ليست سوى علاقة عاهرة بالرجل الذي يدفع لها مقابل خدماتها، وأن علاقتها بيحيى تحفظ لها احترامها لنفسها أكثر من علاقتها بزوجها. أما يحيى فيكتشف أنه مازال ضيق الأفق يحكم على اختيارات الناس دون اعتبار للظروف التي أجبرتهم على سلك الطرق التي اختاروها. يحاول داوود عبد السيد استخدام ذاكرة أبطاله كي يعيد بناء الماضي، ويستدعي من ذاكرة المشاهدين ذكرياتهم عن التطورات التي جرت في المدينة وجعلتها تصل إلى ما هي عليه. يقدم داوود عبد السيد كارلا ووالدتها باعتبارهما مصريتين فقدتا هويتهما الإيطالية رغم احتفاظهما بجواز السفر، مما يجعل المشاهد يتخطى المقارنة بين الإسكندرية المعاصرة والإسكندرية الكوزموبوليتانية ليتعاطف مع حالة إنسانية انتهكتها السياسة والرأسمالية تمامًا كما انتهكتا شخصيات الفيلم. كارلا ونورا حالتان معبرتان عن الإسكندرية في مرحلتين مختلفين، لكنهما وبرغم اختلاف أصولهما وأنماط حياتهما المختلفة إلا أنهما تعرضتا لذات الوضع الذي لم يفرق بين «مصري» و «أجنبي». وهو الوضع الذي لم يفرق أيضًا بين أبناء المناطق الشعبية وأبناء المناطق الارستقراطية؛ فقابيل يصارع هو أيضًا كي يحافظ على ذاكرته. يقدم عبد السيد الإسكندرية في فيلمه باعتبارها أسطورة ليس لها من الخصوصية إلا ما يضفيه عليها كل فرد، أما تحديات الوضع الاجتماعي فهي ليست حكرًا على طبقة دون أخرى، فلكل منها مشاكلها التي تفرضها الحياة بشكل عام والتعقيدات المترتبة على الاختيارات الفردية. ينجح الحاج هاشم في طرد يحيى ومعه نورا التي كانت قد هجرت زوجها بعد أن أرغمها على إجهاض جنينهما. يطردهما بلطجية الحاج هاشم دون أن يتركوا لهما فرصة جمع أغراضهما من الشقة ودون أن يجدا مكانا آخر للذهاب إليه. يؤجران مركبا ويخوضان في البحر، فتظهر خلفهما المدينة وانحناءة كورنيشها الشهيرة كأنها تحتضن البحر، وهكذا ينتهي الفيلم، حيث تعلق نورا ويحيى بجوار المدينة غير مرحب بهما فيها وغير قادرين على هجرها، فهما ليسا كارلا ووالدتها اللتين تملكان بديلا، حتى وإن لجأتا إليه مرغمتين، إلا أنه مكان يمكنهما اللجوء إليه.

في نهاية رواية داريل، تهرب جوستين من المدينة تاركة خلفها كل التعقيدات والمحاولات والفشل، تهرب لأنها اكتشفت ضيق أفق المدينة وهكذا تفعل كارلا. جوستين هي صورة المدينة قبل أن تنقسم إلى مدينتين: مدينة كارلا ومدينة نورا. مدينة نورا مملة، بطيئة الإيقاع، لا تقدم أي مغامرة جديدة؛ في حين مدينة كارلا أكثر حيوية، ولكنها مدينة من الماضي لا مجال لها الآن.

تبدو الإسكندرية في العملين مدينة تعتمد على ماضيها، مدينة تطل على الغروب. لا تقدم الكثير من التجارب الخاصة، فلا شيء في الإسكندرية إسكندراني إلا إذا تمازجت فيه الأصول واختلطت فيه الثقافات. ولكن المدينة لم تنجح في جلب التناغم والسلام إلا في فترات قصيرة جدًا عبر تاريخها، أما ما تبقى من تاريخ الإسكندرية فليس إلا عصابا. جوستين تتصارع فيها عدة هويات، وكارلا ونورا تتصارعان في يحيى. والمدينة البائسة لا تقدم إلا مرآة هائلة تعكس عليها شخوص سكانها. أما شخصيتها هي فليست سوى كاريزما خاصة بلا هوية. مظهر براق كنورا وكارلا وجوستين يخفي تحته اضطرابات وصراعات لكنه ككل شيء جميل يجعلنا نتمهل للحظة كي نركز . . نعيد التفكير . . ربما، ربما نكتشف أنفسنا مصادفة هناك.

#سيدطه #عمرعادل #داريل #جوستين

186 views