خيالات العامرية


أن أكتب عن العامرية أمر يبدو صعبا لما يجول من خيالات مشتتة في ذهني، وتناقضات أجدها بدءا من الاسم باللون الأبيض على لافتة زرقاء «مدينة العامرية» التي دائما ما ارتبط وقعها في ذهني بالراحة منذ الطفولة، لأني عدت من مشواري البعيد من قلب الإسكندرية.

أمر شاق جدا أن يكون قلبك في مكان بوسط المدينة الأم، بينما انتماؤك الواقع بالضرورة بعيدا عن الأطراف. كثيرا ما أشعر بالسعادة في قلب الإسكندرية، ولكني لا أجد الراحة في آخر يومي إلا بالعودة إلى العامرية. ربما تناقض العالم كله داخلي أنا؛ أو كما يقول رجل مدخن

«سجائري المفضلة مارلبورو، ولكن جيبي وصدري اعتادا تدخين الكليوباترا فارتاحا لها».

مربع الورش

من الشارع العريض الذي يبدأ بدخلة من الطريق الصحراوي منتهيا بالقرب من المدرسة الابتدائي، كانت تصطحبني أمي إلى المدرسة التي تبعد دقائق عن البيت يوميًّا في تمام السابعة وكل الورش بالشارع لم تفتح بعد. كان طلاب كثيرون يسلكون نفس الطريق إلى مدارسهم، ولكني لم أكن أرى في الطريق سوى أمي التي تلاحظ آثار النوم لم تتبدد من وجهي فتقترح علي أن نجري سويا. في الواقع كانت هرولة بسيطة تنشط جسمي وتملؤني بالثقة والسعادة والضحك بقية اليوم، ولعل تلك هي الذكرى الوحيدة التي تربطني بالعامرية؛ السيدة التي أشعر يوميا أنه يجب عليَّ ترك أضواء شوارع الإسكندرية لأعود إليها.

كان المربع مليئا بالصنايعية البسطاء والكل يعتز بأصله؛ فالفلاح يذهب دوريا لأهله في البلد، ويفتخر أمام أهل الشارع بتلك الزيارة، والإسكندراني يعتز جدا بأصوله العائدة للمناطق الشعبية في الإسكندرية مثل كرموز وغيط العنب والورديان.

كانت أسماء الناس إما تعود إلى الصنعة؛ مثل فلان السمكري، أو الشكل فيقولون على واحد من الشارع أرنب، وأحيانا فلان الفلاح، أو اسم المنطقة التي أتى منها؛ كالدمنهوري، أو الدين؛ كعم إبراهيم المسيحي. إنه شارع أشبه بحواري كازانتزاكيس؛ حيث الحياة البسيطة والمهن الموروثة والهم العام الذي يجمع أهالي الشارع كله.

الريس جعة

أعتقد أن الريس جعة هو واحد من أهم سكان المنطقة، إنه أحد أبناء بائع البيرة الأعمى، ومحله هو المكان الوحيد الذي يبيع الكحوليات في العامرية والأماكن المحيطة، كثيرا ما أخبرنا مدرس الدراسات بالمرحلة الإعدادية أن العامرية مركز كقريش، والقرى المحيطة هي أطراف تحج إليها. كنت أرى ذلك في وجوه الخمورجية الذين يأتون من بعيد إلى دكان الريس جعة، اللطيف أنه عندما ذهب الأب؛ بائع البيرة الأعمى، إلى الحج قام أبناؤه بدهان الكشك بالجير وكتبوا عليه (حج مبرور وذنب مغفور يا حاج).أهل العامريةأهل العامرية خليط ما بين العرب (البدو) والصعايدة والفلاحين والإسكندرانية: - العرب: يرتدون قفاطين بيضاء من تحتها سراويل، ويتحدثون فيما بينهم بلهجة محلية خاصة بهم، بينما يتعاملون مع الفلاحين باللسان العامي العادي المعروف. كان العرب يطلقون على كل من ليس من أصولهم: فلاح، كما كان عرب الجزيرة يعتبرون كل من ليس من بطونهم أعجميا. أنا لا أعلم لماذا يعتبرون الغريب عنهم فلاحا، فالأعجمي عند عرب الجزيرة معروف من عجمة اللسان؛ أما الفلاحة فهي مهنة أصيلة، وأعتقد عن نفسي أنها قد تكون نوعا من الاستعلاء؛ باعتبار أن العربي الأصيل تاجر، ولو أني أستبعد ذلك. أو أنها مهنة في مقابل مهنة، أى أن راعى الغنم على الأطراف لا يرى الآخر إلا مزارعا، وأميل إلى أن استخدام كلمة فلاح قد بدأ في سياق ما كوصف يُطلق على المزارعين وحملت قدرًا من التحقير الضمني، ثم توسع المدلول اللفظي لدى عرب العامرية ليشمل كل الأجانب عنهم من منطلق تحقير لفظي، مثلما كان الإغريق يعتبرون الأجانب بربر. - الصعايدة: الجماعة الأكبر التي تصارع العرب على السيطرة والنفوذ والأموال، وقد يعود ذلك إلى الطابع القبلي لدى الصعايدة أيضا، فهم يعيشون في تجمعات قدر الإمكان، ومن المهم ملاحظة التحول الاجتماعي على الصعيدي الذي ترك بلده وبدأ كعامل بناء، ثم تحول إلى مقاول بعد عقدين! - الفلاحون: هم الفئة الأقل نسبياً بعد التجمعات الكبرى للعرب والصعايدة، يحاولون بقدر ما أن يُكوّنوا عصبيات مشابهة، وبعضهم يعمل بالتجارة ويجنى أموالا، فيذهب إلى شراكة مع أحد أبناء العرب ومكاتبته على أنه فرد من عائلته، ويسعون إلى خلق علاقات نسب تجمع أبناءهم ببنات عائلات العرب.

ومن الطريف - للدلالة على تجذر العصبية القبلية - أن محاميا من أصول صعيدية أخبرنى أنه متزوج من امرأة عرباوية تشاجر مع أقاربها، فجلب أقاربه من الصعيد، وأخفاها إلى حين انتهاء المشكلة حتى تكون ورقة ضغط تحت يده، في لحظة لم يعتبرها زوجته وقال لى: «عشان تبقى بنتهم تحت إيدي».- المسيحيون: كانوا قلة غير مختلطة بالمجتمع العام كثيرا، يعملون بالتجارة والمقاولات والبيع بالتقسيط لأهل المكان، وعلى الأقل طوال أكثر من 25 سنة بالعامرية لم أسمع قصة غرام طرفها مسلم وطرفها الآخر مسيحي، وإن كانت تلك الأشياء تحدث في القرى الصغيرة المجاورة، ولكني لم أعهد مثل تلك القصص بالعامرية. ولعل أهم ما يجب ذكره هو أنه حين كنت في الإعدادية بنى الأقباط كنيسة، فسبقهم السلفيون ببناء جامع في محيط أقل من خمسين مترا، كان لا يتعدى أربعة أو خمسة أمتار، وقيل وقتها أن الشيخ فلان أبى أن يكون للأقباط جرس يدق في العامرية فسبقهم ببناء جامع، وكان لهذا الشيخ نفسه فتوى شهيرة تحرم تعامل المسلم مع أحد شركات خطوط الاتصالات لأن صاحبها رجل أعمال مسيحي معروف!

قهوة فرعون

هي القهوة التي تقع بالقرب من (الوكايل) التي تبيع الخضار والفاكهة، كنت أجلس بها منذ أن كنت طالب ثانوي، وكانت القهوة صغيرة، والمكان مقطوع الرجل تماما؛ الظهيرة فيه تشبه الفجر، ولا توجد حركة حقيقية إلا داخل أسوار الوكالة الكبيرة، كان يعمل بها رجل صعيدي كبير السن هو صاحبها، والزبائن صعايدة شيالين بالوكالة، أو عمال بناء بسطاء يشاهدون مسلسل ذئاب الجبل ويشربون المعسل. كنت أنا وأصدقائي نمثل مشهدا غريبا لهم بسبب شربنا الشيش الفواكه، ولعل السبب في تسميتنا لها قهوة فرعون أننا لم نفهم عمل الرجل في هذا السن في أول قدومنا للقهوة، وكنا نرى فيه أصالة وندرة الفراعنة.

اليوم توسعت القهوة تماما، وأصبح الابن الأصغر لصاحبها تقريبا يديرها بمساعدة أخيه الأكبر، والحاج والدهما أصبح زائرا خفيفا للقهوة، وكان تجديد الأبناء لأعمال آبائهم طابعا عمراويا. أصبحت القهوة أكثر اتساعا في مساحتها وبها شاشات كبيرة.. بل وواى فاي!

شارع الكوبري

كنا نقول دوما شارع الكوبري أو عند المزلقان، كانت من أكثر المناطق حيوية بمدينة العامرية: بها مزلقان القطر وموقف المشاريع إلى جميع الجهات حتى خارج الإسكندرية. كانت طبيعة المكان دوما مزدحمة بالناس: المسافر والمغادر والقادم لقضاء مصلحة أو إنهاء أوراق حكومية أو زيارة أهل أو حتى الذهاب إلى نقطة التعبئة للتجنيد العسكري. وكان هناك مجمع مدارس به مدرستي الإعدادية وإلى جوارها مدرسة ثانوية للبنات يفصل بينهما سور.

أخبرنا مدرس اللغة العربية أن مدرستنا الإعدادية كانت مختلطة في أول قدومه للعامرية، ولكن بسبب المشاكل التى كانت تحدث بسبب اختلاط الجنسين تم الفصل، لم يكن يعلم أى شيء عن طبيعة العرب في أول أيامه؛ حكى أنه عندما اختار موضوع تعبير بعنوان تعمير الصحراء، لم تقم أي فتاة بالكتابة عنه، وعندما كان يسألهم عن السبب يضحكون، لم يفهم إلا فيما بعد عندما شرح له أحد المدرسين العرب أن لنفس الكلمة استخداما جنسيا في لهجة العرب، فأخبرنا أنه حول العنوان وقتها إلى تنمية الصحراء.

كوبري العامرية

أخبرنا مدرس اللغة العربية ذاته في إحدى الحصص أن سبب إنشاء الكوبري حادثة كبيرة حين مر القطار من فوق شريطه في لحظة ازدحام، وكان يروي لنا المشهد وصور الضحايا وكأنه شاهد عيان حضر الواقعة، كان يرى بناء الكوبري أحد أهم الإنجازات العمرانية في المكان، أو بتعبير آخر مظهر من مظاهر الحداثة بالعامرية.

مدرسة البنات الإعدادية

كانت مدرسة أسماء بنت أبي بكر مقابلة تماما لمدرسة التجارة بنات، وكان الشباب الصغار يحتشدون حول المدرستين، وتجد مثلا على الحائط أنا فلان ورقم هاتف للاتصال. كان الفصل بين الجنسين والتربية المحافظة بالضرورة يخرجان شبابا وفتيات محملين بأفكار أسطورية عن بعضهما، وخيالات جنسية جامحة تتراكم في أعمار المراهقة شيئا فشيئا. كانت قدرة الشاب على محادثة فتاة تُعد أحد مظاهر الشجاعة والجرأة في مكان يسيطر عليه الخوف والجُبن حتى في علاقات الجنسين.

قهوة الشيخ عبد النبي

كانت هذه القهوة على ناصية شارع السوق الممتد حتى جامع الشرقاوي، وكان الشارع يمتلئ ببائعي الملابس، وبعد منتصفه بائعو الذهب ومحلات بيع الفضة، ومحلات البقالة التي تخدم سكان شارع 20 وسوق الغنم.

كان الشيخ عبد النبي رجلا ناصريا جد مهتم بالشأن العام، وكان من أكثر الناس أصالة وصدقا وارتباطا بالتراث القديم، أعتقد أنه لم يتجاوز فترة عبد الناصر قط، وكان زبائن القهوة بسطاء جدا، وأكثر ما لفت انتباهي جاكيت بدلة «أبو شكارة القديم» الذي يرتديه على قفطان، كانت في تلك القهوة أصالة غريبة، وبساطة شديدة تخيم على المكان.

جامع الشرقاوي

يقع في آخر طريق السوق ويُعد بشكل أو بآخر نهاية العامرية التي يسيطر عليها العرب والصعايدة، وبداية طريق صاعد إلى عامرية أكثر حداثة من حيث المظهر والمحلات وملابس الناس إلى أن ينتهي بقسم شرطة العامرية. أذكر أنه أيام الطفولة كان هناك مطلع مرتفع جدا يؤدى إلى القسم، وكنا أطفالا نؤجر العجل من عم شحتة العجلاتى وننزل طريق القسم بسرعة جنونية، ولكن هذا المطلع المرتفع قد انخفض انحداره فيما بعد، قد يكون السبب أننا كبرنا.

شارع القسم

كان أكثر شوارع العامرية تمدنا وحداثة، وهو نفسه الشارع الذي يأخذك بالأتوبيس إلى محطة الرمل أو بالمشروع لمحطة مصر وقلب الإسكندرية.

#العامرية #محمدسميح

265 views