مدينة في ذمة أحراش الأسمنت


«إن مايحدث في وطني لم يحدث في أي مكان ولكن يُحكى ويُدوَّن»

حينما يطال الاندثار كافة الأشياء الموسومة بالجلال والشموخ، فإنها بذلك تصير إلى طلل وتمضي إلى ملاذها المحتوم. حيئذ، يتبدد وهم البقاء الأبدي. وليس من ميراث سوى ما حملته تلك الأشياء من جدوى الوجود. أو ما شملته من جدارة ومعنى. وأن تبقى ثمة قيمة تسري في الحياة. ريثما تخلق امتدادًا يتقاطع مع تاريخ من عراقة اكتسبت سيرة ترسبت في ذاكرة تميزت بالتوهج والثراء.

وفي ظل هذا التصور، تذوي كافة المراثي، وتخفت ظلال الممسوسين بالأسلاف، فضلاً عن الانعتاق من أسر الترنم بالمندثر.

ولكن يظل هناك أكثر من سؤال يحاصرنا، الهلاك بفعل عسف الطبيعة وعصفها؟ أم أن هناك تبديدًا عمديًا بفعل عبث برابرة، وتدمير بشر حمقى، يضمرون غواية الانتقام، ويدبرون لانتهاك «المثال»؛ فينثرون السخط على حياة نابضة سعيًا نحو الحياة في قبور فقيرة محطمة؛ حيث سادت أخلاقية أخرى، وشملتنا ضمائر أضاعت بكارتها أيضًا.

ساورتني تلك التداعيات إثر مطالعتي لعصور مضت أظهرت عن نقاء «ذمة» الإخلاص والبذل في حقول العمران.. تلك التداعيات تُمثِّل إطلالة على عصرٍ ظلت إحدى سماته البارزة اكتشاف قيم البقاء وصونها في كافة الدروب وتحدي ومقاومة ما يطالها من فناء، ربما مرورًا بفعل قانون الطبيعة.

إن هذا الاستدعاء – بالضرورة – يدفع إلى طرح التناظر بين ملامح عصر، آنئذ، كان يحمل همومًا إنسانية أكثر رقيًا وأكثر ثراءً، وملكية تمثلت في لذة الاستغناء والكبرياء بأطيافه، وما يحدث الآن من وقائع تُشخِّص طغيان شريحة اجتماعية واسعة، صارت معنية «بملكية النفوس». وظنت أن سبيل النجاة من فزعها من غدٍ – غاب عنها استبصاره – ليس سوى فعل الاستباحة والتوحش اليومي.. وهوى غير بريء بالمال، حيث الائتناس بجهامة غابات الأسمنت.

أسعفتني – في محاولة وصل ما انقطع – أيام الآحاد والعطلات في تصفح وجوه الإسكندرية / المدينة حيث السير في شوارع تَمثُل خاوية ودونما اكتظاظ، في تأمل بنايات ذات تفرد عمراني، مررت بها ذات نهار، بيوت مشيدة بالحجر الأنتري حللت بها، ذات أفنية عريضة، وممرات واسعة، غرف رحبة ذات أسقف عالية، شرفات كبيرة، جدران صلبة، حجرات تحوطني بالشمس والضوء والهواء، يسكنها بشر صاروا جزءًا من الطبيعة. أطالع بواجهات تلك البيوت نقوشًا تحمل تاريخ البناء: 1911، 1927، 1939 .. وما حملته من أسماء محفورة مدونة بلغات فرنسية وإنجليزية: أليكس أندريا 1919 General Buildings بشارع أديب إسحق، مؤسسة الكونت دبانه بشارع الفلكي St. Mark’s Buildings مذيلة بنحت لأسد مجنح، أملاك البارون منشا وعاداه ولوحات رخامية حملت أسماء أساطين المعماريين آنذاك: أوجست بيريه، بوسيري، فيتشي، جان وولتر...

تأسرني العمارة المطرزة/ المزخرفة بصور ونقوش وزخارف بارزة تُمثِّل نحتًا فنيًا بديعًا... في ذات الوقت الذي أشهد التشويه والإتلاف اللذين طالا الهوية المعمارية للمدينة عبر رحلتي في شوارع الإسكندرية، فيستفزني الأسى وتنشب اللوعة مخالبها في روحي حينما أرى الإسراف في التخريب الذي طال ترميم المتحف اليوناني الروماني، وتمزق النسيج الأثري لمقابر البطالمة بالشاطبي حيث أعمدة المرمر المتناثرة. أبنية أثرية أخرى مهملة. أشبه بخرائب.. صارت قيد التحطم والتهدم.

أجتر سيناريوهات تلاشي بناية شيكوريل بطريق الحرية، وتجليات المعماري الفرنسي ليون إزيما.. وفيلا جوستاف أجيون بوابور المياه، وبناية البورصة القديمة وفندق ماجيستيك الذي شيده المعماري هنري غُرَّه بك في العام 1915، مرورًا بأطلال سينما ريالتو بشارع صفية زغلول. ويراودني انبعاث مجلس «الأورناطو» أول هيئة لتخطيط مدينة الإسكندرية في العام 1834، وطوائف البناء ورواد مدرسة المهندسخانة. أتأمل خريطة حضرة نيكوهوزف بك؛ مهندس شوارع الإسكندرية الرئيسية، والتي أعدها مجلس بلدي الإسكندرية في العام 1929، وأطلس الجيب عن مدينة الإسكندرية والذي قامت بعمله وإصداره مصلحة المساحة المصرية في العام 1935.

***

آنئذ، كانت كل تلك العلامات والوقائع أكثر ما ميز قوام مشهد ظل يتصدر فضاء العمران.. غير أن ذلك لا يعني أن المشهد كان مثاليًا محضًا، ولم تكن الصورة مضيئة وزاهية دومًا، أو خالصة ونقية تمامًا.. ولكن من آن لآن، وعبر عصور وأزمنة طويلة، طرأت العديد من مظاهر العبث والفوضى مست الأثر والعمران رغم ترسانة القوانين والتشريعات واللوائح المعنية بالتمدن والعمران.. ورغم أن محكمة الإسكندرية برهنت في واحدة من وثائقها على قيمة وجدارة الوقف ذات يوم؛ حيث أولت بنايات الوقف عناية جديرة بالاهتمام شملت الدقة في ترسيم شكل وملامح البنايات.. دون إغفال لصيانة البناية وترميمها إذا ما مسها ضرر أو سوء.

***

وبالجملة، نحن أحوج الآن لمبادرات حقيقية من قِبل كيانات أهلية ترسخ مقومات جديدة نحو رد الاعتبار «لفقه» العمران والذي صار قاب قوسين قيد الانقضاض.

#المدينة #ذاكرة #عبدالعزيزالسباعي #عمرعادل

الأكثر قراءة:
  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon
  • YouTube Social  Icon

أقسام:

"ترى البحر" هي منصة إليكترونية تفاعلية، تعنى بالممارسات الثقافية والفنية والتغيرات العمرانية المعاصرة في مدينة الإسكندرية، ويصدر عنها  مطبوعة  غير دورية

تم تصميم الموقع بواسطة omaradel.com