صور الإسكندرية..في حياتي ورواياتي

كتابات
7.4.2018

الإسكندرية مدينة غير عادية، فقد تم اختيارها - في مؤتمر عالمي عن المدن - كأفضل مدينة على مر العصور، وكانت قرطبة في المرتبة الثانية، نيويورك الأمريكية في المرتبة الثالثة. وذلك ليس غريبا على الإسكندرية؛ مدينة الفن والجمال وصانعة الحضارة. وفي ذلك يقول الأستاذ أحمد لطفي السيد؛ أستاذ الجيل، في خطبة له في الإسكندرية، نُشرت في العدد 445 من «الجريدة» الصادر في 23 أغسطس 1908: «الإسكندرية عنوان مصر الجغرافي، كذلك الإسكندريون هم عنوان المصريين في جميع الحركات الفكرية، وطليعة رسل التمدن إلى جوف الأمة المصرية».

كنتُ أحب الشاعر الباحث المرحوم عبد العليم القباني (1918-2001) فقد جمعتنا معا هواية البحث عن تاريخ الأحياء والشوارع في الإسكندرية، خاصة أنه كان مقرر لجنة تسمية شوارع الإسكندرية. كنت أتصل به تليفونيا وأسأله عن سبب تسمية الحي الفلاني باسم كذا، والشارع الفلاني باسم كذا ونتحدث طويلا، وأقول له:

- خايف تكون متضايق من أسئلتي الكتيرة.

فيقول بحماس: هو أنا لاقى حد بيهتم بالمواضيع دى كده.

سألته عن اسم «سوق عقداية» وهو الحي الذي وُلدت فيه، فأخبرني بأن عقداية كانت امرأة جميلة يهواها الرجال، فيأتون إليها من القرى والمدن التي يسكنونها، حاملين إليها الهدايا، ثم فرشوا أمام بيتها خضارًا وفاكهة وأشياء أخرى يأتون بها من بلادهم، عارضينه للبيع، فتكوَّن حول بيتها سوق، سمي باسمها «سوق عقداية».

جاء والدي وإخوته الأربعة من الصعيد بحثًا عن لقمة العيش، فاشترى لهم أقاربهم الذين سبقوهم إلى الإسكندرية بيتًا في سوق عقداية، في شارع ابن الهايم الذي يبدأ من شارع الملك الأشرف، وينتهي عند شارع مسجد سلطان بكرموز. واكتشف أبي وإخوته أن هذا الحي يشتهر بتجارة المخدرات. كانوا يطلقون على بيتنا اسم بيت الصعايدة. وعندما تأتي الشرطة للبحث عن باعة المخدرات، لا تنظر إلى هذا البيت لأنها تعلم أن سكانه ليس لهم في هذه التجارة.

وانتقلنا إلى حي راغب باشا في عام 1956 بعد موت أمي المفاجئ، بينما ظل باقي أعمامي في البيت. وسمعت عن حادثة هجوم ضابط شرطة اسمه السباعي على الحي، وقَبض على تاجر مخدرات اسمه زغلول، فقاومه أهل المنطقة وخلصوا زغلول منه، ودارت معركة، أصيب فيها السباعي بطلق ناري في ساقه، وتحدثت إسرائيل عن الحادث، فقالت لعبد الناصر عبر إذاعتها الموجهة باللغة العربية «إنت مش قادر على حي صغير اسمه سوق عقداية» فهاجمت الشرطة الحي، وأغلقت المتاجر.

كتب صلاح عيسى كتابه رجال ريا وسكينة من خلال ما نشرته الصحف عن الحادثة، وأوراق التحقيقات في القضية، فأحسست بأنه يتحدث عن عالم أقرب إليّ منه، فهو ينقل المنشور في الصحف أو التحقيقات، دون أن يعرف أين تقع هذه الأماكن، فقد قُتلت امرأة تسكن شارع 12 وكانت معها ابنتها؛ أعطوا البنت نقودا لكي تعود إلى البيت، وتفرغوا لسرقة الأم وقتلها! وأنا أعرف شارع 12 جيدا: كانت الشوارع تسمي بعرض مساحتها، وتغيرت أسماء الشوارع، وزالت الأرقام، لكن شارعين بقيا في حي كرموز مازالا يُعرفان بالأرقام: شارع 8 وشارع 12. عرفت صاحب الاسم الحقيقي لشارع 8، وهو إبراهيم نجيب، وكان محافظا للإسكندرية في المدة من 2 أكتوبر 1893 ـ 12 أكتوبر 1894 لكنني - للأسف - لا أعرف من هو يوسف الحكيم الذي سمي شارع 12 باسمه، وهو يبدأ من شارع راغب باشا وينتهي عند شارع النيل.

وحسب الله؛ زوج ريا، رأى فتاة وهو جالس قريبا من جامع سلطان، فأعجبته وتزوجها، وسكن بها في شارع العمري. وقد وُلدت في شارع في نهايته جامع سلطان، كما أن شارع العمري قريب من بيتي وأمر فيه كثيرا، وهو يبدأ من شارع جامع سلطان، وينتهي قبل ترعة المحمودية بقليل.

وأول ضحايا ريا وسكينة كانت تسكن كوم الشقافة، وزوجها يمتلك محلاً للبقالة في مواجهة سور عمود السواري، امرأة معروفة بحسن سيرتها في المنطقة التي تسكنها، فكانت تتوارى خلف غطاء وجهها، وتذهب إلى ريا وسكينة، لتريح نفسيتها بالشرب ومعاشرة الرجال بعد موت ابنتها الشابة، وتعود قبل عودة زوجها وأولادها من دكان البقالة، فيجدون الطعام، ويمر اليوم في هدوء، وكان من الممكن أن يحدث هذا إلى أن تموت المرأة موتة ربنا، لكن قتلها فضحها وكشف سرها، وفضح زوجها وأبناءها.

أمر كثيرا أمام عمود السواري، فأبحث عن المكان الذي كان يقع فيه دكان البقال زوج المرأة التي قتلتها ريا وسكينة، فقد تحولت كل المحلات هناك - تقريبا - إلى باعة ملابس وأقمشة.

**

سكنّا في بيت كان أبي قد اشتراه منذ سنوات دون أن نسكنه (والصعايدة يهتمون كثيرا بامتلاك بيوت في المدن التي ينتقلون إليها) فضّل أبي أن ننتقل إلى هذا البيت لأنه قريب من بيت جدتي؛ أم أمي، التي تسكن حي غربال. وراغب - الذي سمى الحي باسمه - كان موظفا صغيرًا لدى محمد على باشا، وذات ليلة رأى محمد على ضوءًا ساطعا من مكان موظفيه، فذهب إليه، فوجد هذا الشاب يعمل وحده، فسأله:

لماذا تعمل في هذا الوقت المتأخر من الليل؟

فقال: أعد الأوراق التي سيعرضها رئيسي على سيادتكم في الغد.

فقال له: من الغد، أنت الذي ستعرض عليّ الأوراق.

ومن هنا بدأ نجم راغب يسطع، وبعد موت محمد على حصل على رتبة الباشوية، وأصبح ناظر النظار (أي رئيس الوزراء) وأهداه أحد الحكام أرضا في الإسكندرية، كانت زراعية، ثم تحولت إلى أراضي بناء. وبيتنا الذي نعيش فيه الآن اشتراه مالكه الأول - وهو بدوي من الواحات اسمه الشيخ مبروك - من دائرة إدريس بك راغب بمبلغ 35 جنيها و37 قرشًا، وسافر الشيخ مبروك إلى القاهرة ليتفق مع التجار في بولاق، ليرسلوا إليه - عبر المراكب - الطوب ولوازم المعمار ليبني بيته، وكان ينتظر المركب بجوار كوبري راغب باشا الذي يُفتح في موعد معين لمرور المراكب، ثم يعيدونه ثانية لمرور المارة والسيارات. سُمي الحي باسم راغب باشا لأن شارعا كبيرا باسمه يبدأ من باب عمر باشا في شارع الخديوي وينتهي عند الكوبري، وهذا الشارع يفصل بين حي محرم بك، وحي كرموز.

ارتبطتُ أكثر بحي غربال الذي تسكنه جدتي، خاصةً بعد موت أمي، فقد كنت وإخوتي نقضي معظم الوقت لديها إلى أن تزوج والدي عام 1957. وغربال باشا كان إقطاعيا يمتلك الأراضي كلها، وكانت السواقي تنقل المياه من ترعة المحمودية إلى الأراضي الزراعية، ثم حولها إلى أرض بناء، وباعها بسعر زهيد، فتجمع أهالي بلدتنا - المراغة - التابعة لمحافظة سوهاج، واشتروا الأرض، وسكنوا متجاورين كما هو الحال في بلدتهم بالصعيد.

وتقدم للانتخابات عام 1957 (أول انتخابات برلمانية بعد ثورة يوليو 52) أحد أبناء بلدتنا، فأضاف إلى اسمه لقب «المراغي» وتقدم لمنافسته تاجر كبير قريب للدكتور عبد القادر حاتم، لكن الكثافة السكانية لأهالي المراغة جعلت ابن بلدتهم ينجح، وقد كتبتُ عن هذه التجربة روايتي الجهيني.

وقد كان أبي يُفضل الجلوس على قهوة في حي جبل ناعسة وكنتُ أذهب إليه فيها، كما أن مُدرستي الخصوصية كانت تسكن هذا الحي. وناعسة التي ارتبط الحي باسمها كانت امرأة أعرابية تسرح بالغنم في هذا الجبل، وقد شاهدتُ دكان أبنائها الذي كانوا يبيعون فيه اللحم، واشتهر هذا الحي بتجارة المخدرات، والكثير من القاهريين يعرفون هذا الحي، وقُبض على بعض الممثلين المشهورين وهم يتعاطون المخدرات في حواريه، وقد كتبتُ روايتي جبل ناعسة من خلال خبرتي ومعرفتي بحواريه وأزقته.

كتب نجيب محفوظ روايته اللص والكلاب عن سفاح إسكندرية المشهور محمود أمين سليمان. واكتشفتُ أن الكثير من السفاحين ظهروا في الإسكندرية وفي مدة متقاربة، ظهرت ريا وسكينة في عشرينيات القرن الماضي، فكتب البعض عنهما: نجيب محفوظ كتب سيناريو الفيلم المأخوذ عن حياتهما بناء على تحقيق لصحفي يعمل في الأهرام اسمه لطفي عثمان، وأخرج الفيلم صلاح أبو سيف عام 1953، ثم كتب بهجت قمر مسرحيته الكوميدية ريا وسكينة.

ثم ظهر سعد إسكندر سفاح كرموز، وكُتبتْ عنه بعض الأعمال وإن كانت لم ترق إلى مستوى ما كُتب عن ريا وسكينة. وظهر محمد عبد العزيز وأحمد علي حسن اللذان كانا يعملان في مشتل محطة السكة الحديد في الإسكندرية، وكانا يصطادان السائرين أمامهما في منطقة المناورة التي يندر مرور الناس فيها، فيأخذان نقودهم ثم يقتلونهم ويدفنونهم في المشتل. وقد شهدت عليهما امرأة تسكن في بيت عال خلف محطة السكة الحديد، رأتهما يفعلان ذلك، وتم القبض عليهما وأُعدما.

وظهر حسن قناوي الذي كان يعمل مع بعض الإقطاعيين الذين جندوه للقتل لحسابهم، وتم القبض عليه في جريمة الشلالات الشهيرة، ولم يحكم عليه القاضي الخازندار بالإعدام، فقد تم إنقاذ المجني عليه، ولم تثبت إدانة قناوي في الجرائم السابقة.

وفي أواخر خمسينيات القرن العشرين ظهر آخر السفاحين السكندريين محمود أمين سليمان الذي كتب عنه ألفريد فرج ونجيب محفوظ وغيرهما.

**

حي بحري حي عجيب، يجمع بين الشعبية والأرستقراطية، ففيه الصيادون الفقراء، والتجار الأثرياء، وفيه لاعبو الكرة الكبار، وفنانون، وباشوات، وفيه المساجد الكبيرة والأضرحة. كنتُ أذهب إليه كثيرا، مرات عديدة في الأسبوع.

كتبتُ عنه روايتي إسكندرية 67، وهي تتحدث عن حادثة حقيقية حدثت في يونيو 67، فقد أرادت إسرائيل أن تضرب مطاراتنا الجوية، والميناء العسكري في الإسكندرية في وقت واحد، فأرسلت غواصة اسمها التمساح، وألقت بالضفادع البشرية. لكن سفينة حربية مصرية اكتشفت الغواصة وضربتها، واستطاعت الغواصة رغم ما بها من عطب أن تصل إلى ميناء حيفا في إسرائيل من دون الضفادع البشرية التي ألقت بهم في المياه المصرية.

دخلت الضفادع قلعة قايتباي - التي كانت مهجورة في ذلك الوقت - فرآهم ابن صياد اعتاد دخول القلعة ليلعب فيها، فأشاع خبر وجودهم، مما حدا بأهالي الإسكندرية للخروج لمطاردتهم، اثنان من الضفادع ارتديا ملابس الدكرون وسارا في شارع السيالة، فتم القبض عليهما. والآخرون ذهبوا إلى طبيب في شارع التتويج اسمه دافيد منشا أوز، عيادته كانت أمام محطة ترام القويري، فأدخلهم العيادة، ثم حملهم بسيارته ليوصلهم إلى السلوم فيتسلمهم رجال من قاعدة هويلس بليبيا، لكن عند إشارة مرور حديقة سعد زغلول في محطة الرمل، تجمع المارة حول السيارة واكتشفوا وجودهم، فتم القبض عليهم، وضموهم إلى الاثنين الآخرين، وتم إعادتهم إلى إسرائيل في عملية تبادل الأسرى.

**

في يوم وقفة العيد، يتجمع الأدباء السكندريون وزملاؤهم الذين يعيشون خارج الإسكندرية، تجمعنا في هذا اليوم في إحدى المقاهي، ثم بدأ البعض في العودة إلى بيوتهم ولم يتبق سوى محمد السيد عيد، ومحمد محمود عبد الرازق؛ وهو قاهري ارتبط بالإسكندرية، ومحمد عبد الله عيسى، وأنا. أخذنا نتحدث عن سينمات الإسكندرية وما حدث لنا فيها، ومن حماستنا في الحديث، لم ننتبه إلا وقد أطفأت القهوة بعض مصابيحها استعدادا للغلق، فقمنا مضطرين، وركب محمد محمود عبد الرازق سيارة محمد السيد عيد، لكي يوصله إلى بيت أهل زوجته في سبورتنج، لكن السيارة لم تتحرك من مكانها، دفعناها للأمام دون فائدة، لكننا وجدنا أنفسنا أمام قهوة حميدو بشارع الغرفة التجارية، فجلسنا فيها لنكمل الحديث، ومر الوقت، ثم قمنا ثانية، لكن السيارة أصرت على عدم التحرك، فدفعناها إلى شارع الشهداء، فوجدنا قهوة أخرى تسهر للصباح، فبقينا فيها نتحدث عن السينما إلى أن أشرقت شمس الصباح التالي.

ذلك جعلني أفكر في كتابة رواية سينما ألدورادو عن سينمات الإسكندرية، خاصة الدرجة الثالثة والثانية.

**

كتبتُ عن حي الهماميل (وهو غير شارع الهماميل بين المنشية واللبان في مواجهة مسجد رمضان شحاتة) كان مركزا للدعارة الراقية أيام الاحتلال الإنجليزي لمصر، ففي شارع الفراهدة وشارع ابن بطوطة والقاضي الفاضل وغيرها مكان للدعارة الفقيرة والمسمى بـ«كوم بكير» بينما ضباط الإنجليز ومن هم على شاكلتهم يذهبون للهماميل، ولكي يحموهم أقاموا هناك نقطة شرطة. والهماميل هي قواديس السواقي التي كانت تصنع في ورش هذا الحي، وكانت مقرا لاجتماع جمعية التضامن الأخوي التي كانت تغتال الإنجليز وأعوانهم، وحاولت قتل السلطان حسين كامل لأنه قبل الحكم تحت رغبة الإنجليز الذين أقالوا ابن أخيه الخديوي عباس حلمي عام 1914، لأنه ميال للدولة العثمانية التي كانت في حرب معهم. وألقوا بقنبلة على سيارة السلطان حسين كامل أمام ضريح سيدي يوسف الجعراني في شارع رأس التين وهو ذاهب لصلاة الجمعة في مسجد أبي العباس المرسي لكن القنبلة لم تنفجر.

إقرأ أيضاً

انضم الى قائمة رسائلنا الإلكترونية

شكراً لانضمامك الى قائمتنا البريدية!

نأسف، حدث خطأ. يُرجى إعادة المحاولة!