كل ما أتذكره هو الضوء

ترجمات
31.1.2018

حينما كان الترام يتوقف عند كامب شيزار وتظهر كلمة "المعسكر" مكتوبة بخط النسخ أعتبر الموضوع لا يخصني. اسم محطتي "كامب شيزار". لم أشعر أبدا أنه اسم أجنبي، وهو ليس عربيا بالتأكيد. إنه خالٍ من المعنى وجميل لذلك.

تنادي امرأة من آخر العربة "والنبي يا أخويا دي محطة كومبا شيزري؟" هنا أيضا تظل الهُجنة جميلة. الهجنة التي أحببت لأجلها هذا المكان باعتباره ليس لأحد. 

 تُشعرني "كامب شيزار" كلها بالخوف، رغم أنني لا أمر بشارع فيها إلا وألتقي بوجه أعرفه أو يعرفني: "صباح الفل"، "صباح القشطة". 

 تعلمت شيئا على الأقل، شيئا يضع لي جذورا في هذه الشوارع المالحة، التي كان يمكنك أن تتنبأ بالغنج وراء مصاريع نوافذها الرطبة، بالضحكات، بالخبط والرزع المفاجئ الذي تعقبه صرخات وخناقات شوارع. 

إبراهيم عيسى المونولوجست الذي يغني في الكباريهات القريبة يسكن في غرفة فوق سطوح بيتنا.  يقف ساعة العصر أمام باب المنزل بفانلة داخلية. يشخط فيه عم علي العجلاتي الذي تربى على يد الأجانب: "اختشي على دمك.. إنت فاكر نفسك فين؟"

 المونولوجست خفيف الظل ذو الفروة الكنيش والوجه الباسم انتهت حياته هنا أيضا متنقلا في نومه بين الأرصفة. شعره الكنيش طال جدا وبدا ملبدا ومعقودا كالمجاذيب. 

 بيتنا كان قريبا من قسم الشرطة، ولا يفصلنا عنه إلا أرض فضاء بُني فوقها فيما بعد مسجد تابع للإخوان. في ليالي الشتاء كان السكارى المنسحبون من بارات الكورنيش يتوقفون دون سبب واضح في شارعنا، أصواتهم العالية المتكسرة كانت تصمت فجأة أو تعقبها صفعة قوية. نقطن الطابق الأول. هكذا كانت ظلالهم تمر عبر خصاص الشيش متعرجة وطويلة جدا تنقض عليّ من السقف. 

عرفنا مبكرا جدا كيف نميز المخبرين. وصارت لي حاسة خاصة بالتيار العميق للخناقات، لبداياتها الغامضة مثل رائحة العرق والشهوة. 

 يصحبني أبي إلى مقهى "والي". كل ما أتذكره هو الضوء، هو الطلة الواسعة على الزرقة. على اليسار مكتب كبير يجلس إليه صاحب المقهى وجواره عدة تليفون بالعملة. التليفزيون العالي يعرض موسيقى عسكرية، وعبد الناصر سيمر من الكورنيش بعد قليل. الرجال كبار وأنيقون، وفي المسافة القصيرة بين بناطيلهم والأحذية اللامعة المدببة تبدو الجوارب النظيفة المحبوكة، يدخنون التومباك بجمرته الوحيدة الهادئة. 

 في مقهى البالميرا كان الجرسون النحيف يبتسم من بعيد حين يرى أبي فيهتف: "حماده!". عِشرة حي واحد؛ الاثنان من "بحري" غادرا وجاءا هنا ولكن كزبون وجرسون. 

هنا يعاد تشكيل حياتك. يمكنك أن تختار الصورة، وهذا مرعب أحيانا. 

 في شارع لاجيتيه حيث السينما القديمة ومسرح "لونا بارك" كانت الفتيات الجميلات ينظرن بترفع للا أحد. لم يعد هذا يقلقنا. الشقق الصغيرة التي خلفتها وراءها جاليات يونانية أو أرمينية من الطبقة المتوسطة سكنها طلاب الجامعة الذين جاءوا من قرى بعيدة، بعد سنوات تحولت من شقق للعزاب إلى سكنى دائمة. لكن بقيت فيها تلك الروح الحسية والمعطوبة لمكان مؤقت. 

 بوابو العمارات عقدوا صفقات غامضة. سكنوا البدروم والسطوح. أقاموا الأفراح في المساحات الفارغة ومداخل العمارات. نُصبت تحت شباكي خشبة مسرح صغير للعروس التي لا تتجاوز السادسة عشرة. المكياج صاخب ونطاقات الصدور المفتوحة مشغولة بالترتر وخرج النجف، والأجساد الممتلئة تنطق تفاصيلها تحت قماش الساتان في ثنيات مهيّجة. مم كان الخوف إذا؟

كامب شيزار والشياطين الـ 13

"لم ينطق الشياطين.. كان من الواضح أنهم نسوا كل شيء إلا التفكير في المغامرة الجديدة". ناولني أحد أصدقائنا لغز "الرجل الحديدي" مادا ذراعه دون أن ينهض. البقية ممددون على الأرض يتوسدون مخدات، أو يستندون بظهورهم إلى الكنبة. ليس العطش وحده ما نعانيه. وجوهنا محتقنة بعد مباراة كرة رمضانية. 

في الساعة الحرجة قبل الإفطار الجميع كانوا يلتقون هنا في منزلنا مع الزاد الوفير الذي حمله إلينا صديقنا ممدوح.

 منزله لم يكن بعيدا؛ عمارة على الطراز الإيطالي. في حجرته الواسعة بسقفها العالي كانت مكتبة تضم جميع إصدارات الألغاز مرتبة بعناية فائقة في صفوف. حتى مجلات سوبر مان والوطواط وتان تان. 

 لكن هناك، وهناك بالذات على يسار فراشه، كانت مكتبة أكبر بضلفتين زجاجيتين، من خلالهما تلمح كتبا مصفوفة ومائلة، جميعها في الهندسة. صحيح كان ممدوح طالبا في كلية الهندسة، لكن هل يقرأ هذه المراجع حقا؟ كتب بعضها مصور لتصميمات قديمة، الكتب نفسها تعود ربما إلى الأربعينات أو الخمسينات من القرن الماضي. 

كان هذا لغزا آخر غير تلك النائمة في مكتبته. "جدي" هكذا كان يقول ناسبا المكتبة الهندسية العجيبة. 

لم يلفت انتباهي إلا في الزيارة الثانية الاسم المكتوب على باب الشقة؛ اسم يوناني حفر بحروف لاتينية على نُحاسة مستطيلة. 

 نتصل، فترد أخته أحيانا "والله مش عارفه هو فين.. ما قالش!" وهي تعرف. لا يمكن أن تعثر عليه إلا إذا أراد ذلك. لمَ السريّة؟

 الموضوع قديم. الجد لم يكن جدا. كان علينا تخمين القصة من البداية، لا يترك لك أصحاب الأسرار إلا أن تعيد بناء تاريخهم كما كان يفعل "المغامرون". الأم والأب صعيديان. من أين جاء هذا الاسم اليوناني؟ 

قياس الحاضر على الغائب. بعض الأجانب الذين طعنوا في السن ولم يحبذوا العودة إلى بلادهم وقت الخروج الكبير أسكنوا معهم أسرا جاءت من بعيد جدا. ممدوح أعاد كتابة سيرته في حضن اليوناني العجوز. ربما تبناه الأخير، الاثنان صارا بلا أرض أو عائلة؛ رفيقين في مكان آخر كالحلم. 

الأب صاحب المقهى والأم السمراء البدينة تواريا، وبقيت الأخت، بعينيها المصابتين بحول واضح، حاملة أمينة لمفتاح الأسرار. يتسحب ممدوح فلا تعرف أين ذهب. لا يقيم علاقته معنا جملة. نعرّفه بالوجه جديد: إبراهيم. 

 يركب ممدوح الأوتوبيس إلى الدخيلة ويذهب إلى إبراهيم منفردا. يريد لكل الخيوط أن تكون في يده، وأن تكون غير مرئية. هل كان وحيدا؟ حتى هذا لا يمكن التأكد منه. لا أعني الوحدة فعلا بل الشعور بها. خده الأمرد كان في ملاسة روحه الهاربة. الآن هو بعيد عن كامب شيزار. "سافر أمريكا" تقول أخته. أين في أمريكا؟ 

 استطعت أن أحتفظ بلغز واحد "الرجل الثالث". ذاك الذي ربما يبحث عنه ممدوح الآن.

كامب شيزار.. البدروم ـ شقة 1

هذا الصباح استيقظنا على فضيحة. اختفى عم عبده حارس العمارة. الدكة على يسار مدخل العمارة فارغة. أما شقة 1 فكانت موصدة بالقفل والشمع الأحمر. 

التهامس عبر شبابيك المطابخ حول ما كان يدور في شقة 1 لم يصل إلينا واضحا، ولكنه كافٍ. ابنة عم عبده كانت تتردد هي الأخرى على الشقة. واختفت بطبيعة الحال. 

 العمائر هنا رغم ارتفاعها المحدود كانت تبدأ رحلة الصعود بعشر درجات تليها بسطة للاستراحة، فإما أن تكمل إلى أعلى، أو تهبط إلى البدروم. وكانت شقة 1 في البدروم. 

تسكن الشقة أختان إحداهما راقصة والأخرى زوجة وربة بيت. اختفى الزوج بعد الواقعة. الراقصة سافرت إلى دولة خليجية، وبقيت أم (...) مع أبنائها. عادت بعد شهور وربما عام لا أتذكر، لتنزع الشمع الأحمر. 

 شقتها لا منفذ لها إلا شباكان يطلان على حق الجوار، مساحة مبلطة وفارغة يفصلها سور قصير عن البيت المجاور تدلت فوقه أغصان شجرة ليمون. 

في هذه الساحة المكشوفة كانت أم (...) تخرج يوميا في الصباح: "يا جيران وسخة، يا نسوان زبالة إنتو واللي آنيكم!". هذه أخف الشتائم بالطبع. كانت وصلة أم (...) تمتد إلى نصف ساعة وأكثر، يعلو صوتها ثم يخفت لأنها تكمل وصلة السباب من داخل حجرتها. يروح الصوت ويجيء ولا نعرف متى سيتوقف، ولا أحد يجرؤ بالطبع على النظر إلا من فتحات الشيش الموارب. 

 كانت أم (...) تشعر بالمهانة. هذا مجرد تفسير. تقف أم (...) على سور حق الجوار في الجزء المطل على الشارع. تضع كرسيا ليصبح رأسها بالكاد أعلى من الحافة. من هناك تتبادل الحديث مع منصور المنجد وهو يفك ضفيرة "الكرينو" الذي كان يستخدم وقتها لحشو الوسائد وكراسي الصالونات. ضفائر خشنة خضراء على شكل جديلة شعر كثيفة. كنا نحب هذه اللعبة حيث يجب أن يتواجه اثنان يمسك أحدهما طرف الجديلة ويلفها الآخر بما يشبه الخطاف.

مَن لها هنا، أعني أم (...)؟ هذه ساعة الهدوء حيث تسقط الشمس مائلة على الشارع الصغير. ويمكنها أن تتبادل كلمات مع منصور أو النجار الجديد. 

 "هانم؟ أنا هانم يا مرة يا ...". هكذا حكت لنا جارتنا عمَّا وقع في طابور الجمعية القريبة. "أم (...)" تزاحم بكتفها في الطابور. إحداهن ترفع صوتها: لو سمحتِ يا هانم كده ما ينفعش!". 

جيران، لكن هناك فرزا عنيفا يضمر عنفا أشد. 

في شقة 2 المقابلة لـ"أم (...)" كانت عائلة الحلاق. دكانه على شارع بورسعيد، لكنه هنا في الظل شبه الدائم. عائلة تميزت بالجمال خاصة الابنة الكبرى. 

كنا أطفالا وقساة. من قال إن الطفولة بريئة؟ ابن الحلاق هو حارس المرمى دائما، والكرة تدور بين أرجلنا نحن.

"نلعب عشرة عشرين". يقف حسن مواجها الحائط مغمض العينين. الاتفاق بيننا تم. نصعد إلى بيوتنا ونتركه يعدّ بلا أمل. يلتفت: "انتو فين؟" نتركه دقائق، ثم نطل عليه من بلكوناتنا بالضحكات. في يدنا مفاتيح اللعبة متى تبدأ ومتى تنتهي.

كان حسن نحيفا، لكن ضربة ذراعه الخاطفة كانت عنيفة جدا. يضرب ويجري. 

 رن جرس الباب ذات يوم لأجد أمامي وجها أكاد أعرفه. لكنه الآن يحمل علبة كبيرة هي غالبا تورتة ويرتدي بذلة كاملة. تذكرت أننا التقينا في رحلة أيام الجامعة فابتسمت له. سألني وهو مرتبك الآنسة... موجودة؟ 

اسم الحلاق كان هو نفسه اسم أبي معكوسا. أخطأ العريس وصعد إلى الطابق الأول. شعرت بكآبة. حتى أشرح له كان علي أن أشير. وكانت الإشارة جارحة. لأنها كانت النهاية طبعا.

كامب شيزار.. كل شيء حقيقي وزائف

لا أحب أن أكتب للتأسي: تكعيبة العنب، وآنيتا الجص الكبيرتان اللتان زينتا شرفة الزوجين العجوزين بورود حمراء، خادمة الأسرة المارونية القاطنة في العمارة المجاورة على مسافة طابق إلى أعلى التي كانت تقف على حافة الشباك بثوبها البيتي القصير، فأرفع رأسي إلى فخذيها البيضاوين كحلم يوشك أن يتحول إلى كارثة.

 تسألني صديقة بعد أعوام طويلة وأنا مستلق على الكنبة نفسها بجوار الشباك "انتو عندكم ضيوف واللا ايه؟" فأضطر إلى النهوض، وأبتعد بعدة التليفون مسافة كافية لأوضح لها المسألة. 

اشترت أسرة بورسعيدية البيت وسكنت الشقة المقابلة. مكان كرسي البامبو والطاولة المستديرة حيث كانت تجلس الأرملة الفرنسية وترص أوراق الكوتشينة أقيمت عشة فراخ، وعلى الحافة قفص آخر لغية الحمام. من الداخل كانت تأتي شتائم الأخوة لأخواتهن. عائلة كبيرة لا تعرف كم عدد أفرادها! 

لا أكتب للتأسّي. فالأسرة المارونية كانت فراندتها الواسعة تغطى تماما بستارة بيضاء ثقيلة ذات خطوط حمر، تشبه في طياتها ستارة السينما. في الليل كانت تصل إلينا من ورائها الضحكات. كانوا بعيدين جدا.

جدتي كانت تصفق من الشباك، فتنتبه الأرملة الفرنسية ويتبادلان الحديث. لم أعلم إلا فيما بعد أن جدتي كانت تعلم أن الأرملة ترغب في الرحيل. تصورَتْ أن الصداقة ستجعلها الزبون الأولى بشقتها الواسعة الجميلة. في صمت باعت الفرنسية الشقة، واستيقظنا لنجدها غادرت كسحابة تبددت. لا أثر ولا وداع. 

كل شيء هنا حقيقي وزائف. الشمس نفسها جميلة وطافية كفكرة طارئة عن السعادة، مجرد فكرة. 

في شقة العجوزين كان وجه أسمر طويل يطل من نافذة جانبية. شاب لا نعرف من هو. فارع القامة، وصموت. يتكئ بمرفقيه ساعات طويلة على الشباك متطلعا إلى الشارع بعينين كسولتين لا تعرفان الابتسام. 

هو ابن الرجل المسن إذن، هذا ما علمناه بعد أن رحل الأخير، ابنه من زوجة أخرى. جاء بأسرته كلها فصارت التكعيبة أطلالا ومناشر الغسيل كانت إعلانا عن النصر.

في الدور الأرضي العلوي كان يسكن الخواجة العجوز. العجائز كانوا يستفزوننا للأذى دون سبب واضح. من بلكونتنا كنت ألمح رجلا لا أذكر إلا اسمه: "عم يوسف". كان مهيبا في جلبابه الواسع وعمامته وعصاه. لماذا كنت أخشاه؟ أخشاه وأريد أن أرد كما لو كنت أرد على إساءة. وراء فتحات سور البلكونة، أختبئ وأنشد: "عم يوسف جايّ ع الأرض المزروعة.. عم يوسف جايّ وفـِ طيزه زعزوعة.. عم يوسف جايّ ع الأرض الطيبة.. عم يوسف جايّ وفـِ طيزه غُرَيِّبة.."

ينظر الرجل إلى أعلى ويمضي دون أن ينطق. 

الخواجة كان يوارب بابه ويزعق، بعد أن نكون قد ألقينا القنبلة وفررنا. في رمضان كنا نصنع قنابل صغيرة بتفريغ حصى وبارود البمب في علب الدواء الصغيرة. نضرب ونجري. يتزعمنا إبراهيم ابن عم علي العجلاتي. لم يكن يظهر في الدكان بجوار أبيه إلا أياما قليلة. يؤدي مهمته ويختفي. 

في الليل كنت أحلم بالعجائز الأجنبيات يطاردنني بأظافر طويلة وبالسيقان المعروقة. لم نعرفهن أيام الصبا. رأيناهن كبقايا شائهة، تطوف هائمة وتلقى من أكياسها بأسماك صغيرة.. فتلتف حولها قطط الشارع، وكأنها نهضت من حلم.

كامب شيزار.. كأننا في البادية

"بابا، هو أنا ممكن أبوس نهى؟"، "طبعا يا حبيبي دي زي أختك". يربت على كتفي ويتابع حديثه مع الكبار. تصور أبي أنه بذلك يضع في فمي مطهرا. لكنني اندفعت عائدا إلى نهى، ابنة جيراننا، في غرفتي. توسعت في استخدام تصريحه، ولكن في حدود القبلات. هل كنت أعرف يومها شيئا آخر؟ النوافذ المفتوحة في هذا الشارع الصغير جعلته يشبه بيتا واسعا، نتابع من نافذة إلى أخرى رغبات غامضة، تُشعرنا بالوحدة حتى في هذه السن. 

"أختك" لم تكن بلا قيمة. لقد وضعت حدا بين عالمين، وبينهما عذاب الضمير. أحلم بجاراتي. أعضاؤهن الأنثوية ليست على هيئة شفتين، بل بارزة قليلا مثل ثدي لم يكتمل. 

نلعب معا على بسطات السلّم، نقف في صفين متقابلين: "تُمبِل تمبل مزيكا/ فرح "فلانة" الأنتيكة/ والعسكر صفين صفين/ والخدم تحت الرجلين". 

 من الخواجة نشتري التوفي والأقلام. وجهه الأبيض الكالح عكر المزاج دائما. من أين جاء اسم الخواجة؟ بعضهم يناديه أبو أشرف. كان اسم المحل مكتوبا هكذا أيضا، لكننا نقول:" أنا رايح أشتري من عند الخواجة". الفاترينة الجانبية للمحل كانت تجبرنا على التوقف؛ كروت بوستال عليها صور نساء شقراوات يتمددن على رمال شواطئ لا نعرفها، أو يقبضن على زلاجات فوق منحدر ثلجي. أمهات يقبلن أطفالا متوردي الخدود. 

هنا أيضا ضحكات، ضحكات مكشوفة وصريحة، لكنها بعيدة. 

 هل تعرف ما هو "العِزال"؟ أرفع عيني إلى بلكونة أماني. الشيش الموصد مشهد يتكرر بلا أمل. أبكي في الليل. 

 عربات لوري حملت كراسي ومخدات وأغطية وألواحا عريضة لأسِرّة تفككت. "إحنا ليه ما نعزلش زي طنط عفاف؟". لا يفهم أبي السؤال. يشير إلى الشارع "هنا تحس بالحياة والهيصة.. شوف لما بنروح لهم سان ستيفانو؟ هسسس .. كأن ما فيش لا عيد ولا رمضان". 

أبي تربية "بحري". كلانا قلبه خارج هذا المكان، يستبقي فيه صورة تشبه البلكونة المغلقة. 

 لم يعد زمني مشابها لأصحابي. لا أحد يعرف أنني أحبها فعلا إلا جدتي. أقصد لا أحد يسألني؛ لا كما يُسأل طفل، بل عاشق، إلا هي. لا تضحك، ولا تبالغ. قسمات وجهها الجادة كانت تشعرني بالثقة. ولكن أي ثقة؟ 

 الحب ولد عنيدا ومكابرا وهشا. صارت للزمن دورة أخرى، والضجيج الصاعد من المحلات أسفل شرفتنا صار عصبيا أكثر. في كامب شيزار ولدت روح أنثوية بعضو ذكورة، متقلبة وعدمية، وتبرر نفسها من خلال أفكار مجردة. 

 "تشرب شاي؟ أرد "شكرا". "أيوه يا حبيبي شكرا تشرب واللا مش عايز؟" أرد "شكرا". خجل مخادع وموجع، لأن تحته مباشرة نوعا من العنف. عاطفة كما البداوة، تتبع شاحنة أثاث منقول.

كامب شيزار- أمينة وصخرة مارسيليا

"عروستك أهي يا سعيد". تنظر أمينة من البلكونة الصغيرة في الطابق الأول بعينيها الزائغتين وعنقها المائل قليلا. تعبير لا معنى له. وسعيد بطوله الفارع ونحافته يتظاهر بالانشغال. 

ضحكة الحاج رمضان تخرج باتساع حلقه خشنة دون أن تغير كثيرًا من قسمات وجهه المعتكر غالبا، الأسمر في لون التراب. نسمع أنه كان بائع روبابيكيا، يطوف هذه الشوارع الصغيرة، والشوارع الأخرى، كشارع تانيس، الممتد كالثعبان. الآن هو الحاج، يجلس طوال النهار على كرسي بجوار دكان إصلاح الثلاجات، يأتي سعيد، ابن عمه، ليعمل في الدكان أياما ويمضي لا أعرف إلى أين. 

الثلاجة المنتصبة أمام المحل، تعرت ليظهر هيكلها الصدئ. برزت الألياف المصفرة التي كانت تبطنها.

نخطف شعرات منها ونجري لندسها في أقفية أصدقائنا. "شعر العجوزة" يسمونها. 

لا أحد من أصحاب الدكاكين هنا كان ماهرا في شئ. حي الشقق المفروشة والمصايف، حي المهاجرين والعائدين، كامب شيزار، معسكرٌ تفكك وأعيد استيطانه، حرب انتهت وعاش على بقاياها مرتزقة. لا أقصد ذلك حرفيا، هذا ليس مدونا في التاريخ ولا الواقع. 

"ح تتجوزوا إمتى يا سعيد؟" ويضحك الشارع كله. 

أمينة، المعاقة، لا عمر لها، مثل العار تماما، تخرج منها الحروف منفلتة النغمات، كما لو تراخى وتر فجأة، قبل أن تغلق الشيش وراءها برأسها المائل قليلا. 

الصديق المقرب للحاج رمضان، عم أحمد السمكري، كان أبيض وسيما، لكن قامته مائلة أيضا، بحكم العادة، في اتجاه صندوق عدته المعدني الثقيل. على الحائط المجاور لدكان كل منهما حلقة ثبتت فيها بوصة هندي. قبل غياب الشمس، كان الاثنان يغادران دكانيهما بالجاكيت الكاكي وطاقية الصيادين، "الغلق" الخوص وكرسي البحر المطوي هي الأشياء التي كانت ترد في وجه الاثنين شيئا من إنسانية غائبة. 

 في نهاية الشاطئ الرملي لكامب شيزار لسان صخري يرتفع بالكاد بوصات عن سطح الماء. في أقصى طرف شبه الجزيرة هذه، التي كنا نسميها "مارسيليا"، بقعة يستقر فوقها كرسيا الصديقين، بين أسنانهما عقد الشعر التي ستلتف حول الصنانير، وراءهما العالم. ومن نُقَر صغيرة في الصخر يصعد الماء وينحسر. قرقرة خفيفة لا تشبه الكلمات، لكنها أكثر صفاء. 

"ح نقطَّعها"، فننسحب بعيدا بكُرَتنا عن دكانيهما، يلتفت أحدنا إلى الآخر دون كلمة. 

 بسبب الفشل المتكرر في إصلاح أي شيء، كانت الخناقات معتادة ومتوقعة. الوجه الجامد المتأهب للشر، لا يمنع من انفجارات مباغتة. لوح زجاج يتهشم، ارتطام له طنين معدني مكتوم لشاكوش أو زردية أخطأت هدفها، ثم تتسع الضجة ونخرج من البلكونات والشبابيك: "هي الخناقة عند مين؟". 

داخل شققنا كنا نقول: حضرتك، ومن فضلك لآبائنا الموظفين. الآن فرصتنا لنسمع: .. أمك وأبوك ودينك ودين أهلك. نحتفظ بها لوقت لم يتأخر طويلا.

كامب شيزار - "الأراجوز"

في أفلام الرعب انتباه إلى ما يمثله وجه المهرج، تلك الابتسامة التي تجذب الشدقين كما لو بخيطين غير مرئيين، هذه النظرة الواسعة الميتة، ثم هذا الحقد المسموم الذي تجمّع في كرتي الوجنتين الحمراوين، كمبالغة مفضوحة وفجة. 

"الأرادوز الأرادوز" يصيح عم طاهر البواب بلكنته الصعيدية، فأعدو عاجزا حتى عن النظر إلى الوراء، أطير فوق أعتاب الدرج وأطرق الباب بقوة. 

يعرف نقطة ضعفي. حين أطيل المكوث واللعب فوق دكته الخشبية تأتيه الفكرة وينجح في كل مرة. 

 ما المخيف في الأراجوز؟ ربما القرار؛ أحد ما قرر أن يكون بلا وجه. ليس أنه يخفي الحقيقي. الذي تراه ليس وجها. الوجه ينادي ويطلب. لسنوات كنت أهرب منه. حتى عندما لم يعد ذلك لائقا كنت أنتقل إلى الرصيف الآخر. الآن أفهم كم كان تجنب "الأرادوز" مستحيلا. 

 إنه في كامب شيزار كلها. كامب شيزار نفسها أراجوز. وجه اجتمعت قسماته من وجوه أخرى. إيحاء بأبد ليس تحته إلا رمال. 

خلف العمارة الصغيرة عند ناصية الشارع فناء مترب ينتهي بسور مرتفع قليلا غير مطلي من الطوب. بالكاد نمد رؤوسنا لنرى. الطبل الزاعق على الدفوف بإيقاع "أيوب" دون موسيقى، ثم أصوات حادة كالنصل، ريش طائر ودماء. كيف تكون العين جاحظة هكذا وبلا تعبير؟ 

في الليل يظل يطاردني صوت الدفوف كنذير شؤم، كظلمة أشد كثافة. 

أحلم أنني في فراشي أتطلع عبر باب الغرفة إلى الطرقة الطويلة التي تنتهي بالمطبخ. من وراء الباب تظهر كف، كف فقط سوداء مبسوطة الأصابع، وحول الرسغ سوار من خرز ملون يزيد الكف إصرارا. 

أستيقظ متعرّقا مقطوع النفس، ولا أجرؤ على السؤال. 

 تصحبنا عزيزة (الخادمة) أنا وأخي إلى زيارة بيت بعيد، لا أذكر المنطقة ولا الحي. هل كانوا أقاربها؟ في غرفتنا تغلق الشيش وترقد على وجهها في الفراش تاركة يدي تصعد باتجاه فخذيها. الرائحة ما استبقيته سنوات طويلة. لم أكن أعرف يومها ماذا علي أن أصنع. لم يكن هناك كلام. لكن الصمت كان دعوة، الصمت والرائحة. كنت صغيرا جدا بحيث لم تكن الرغبة في الأسفل فقط بل في الأنف، في النفس الثقيل للرئتين، في غموض الظهيرة المعتمة. 

يطاردني صوت الدفوف في الليل فأتذكر عزيزة وألم خفيف ينمو في الأسفل. أتعلق بالنساء بحثا عن الرائحة نفسها. خجول وصامت، أحارب الليل بمشاهد موجعة، أؤلف وأتخيل، في هذه البركة التي تحبس روحي. يتعذب ضميري في النهار بوحشية الصور وشذوذها. 

 قبل أن تطرد أمي عزيزة لسبب لم نعرفه حاولنا قتلها أنا وأخي. أمرتنا بترتيب أكوام الغسيل وفي يدها عود الثقاب المشتعل. جرينا إلى المطبخ، حمل سكينا وحملت "مقورة" طويلة. من أين جاءنا كل هذا الغضب؟ احتمت بباب الحمام المغلق ونحن نطعن الخشب في يأس. ولا أذكر أننا بكينا.

وجدي ومُنْطَه "كامب شيزار"

ضحكة وجدي المتكسرة، ثم عبارات سريعة متواترة. الحوار من شباكه، والجمهور كل من رفع رأسه ليرى. فتحت الشيش. كان مستندا على الشباك المقابل بشعر حريمي مستعار وقرطين كبيرين وماكياج كامل. يتحدث جادا بصوته الطبيعي الذي كانت تميزه حدة تنكسر عند نقطة ما كأنها منحدر مفاجئ. 

مثل روايات نجيب محفوظ يهيمن وجدي على ذاكرة الشارع مفجرا فضيحة. مثل انحرافة صوته، مرحه الملول. سيظهر مرة أخرى عائدا من مسجد عمر بن الخطاب المجاور بلحية وزبيبة خفيفة.

سيظهر تاليا بعد سماعنا لاستغاثات يائسة وزجاج يتهشم بعنف. أغلق باب الحمام وفتح أنبوب الغاز. بعدها بقليل  نسمع صفعة الباب، ونرى ذراعه المشيحة وهو ينعطف من الشارع. ووراءه نداءات مدرسة المتفوقين التي تعيش في ثلاث غرف ضيقة، مع أم يغطي صدرها الرحب إفريز الشباك، وأب لا أحد يتذكر حتى صوته. 

"هو وجدي بيحب مُنطه؟"

أبريل شهر الرائحة. تطير اللقاحات من أشجار قريبة مع رطوبة خفيفة. يقترب وقت الجزر فتبرز على حافة الشاطئ الرملي صخور تغطيها طحالب طازجة عميقة الاخضرار. 

الشبابيك في الليل مفتحة. جارنا الآخر، والذي سيصبح طبيبا نفسيا بعد سنوات، يدور في الغرفة الصغيرة مع كتاب، يمسك بخصلة شعره ويجذبها ثم يديرها بعنف.. هكذا لساعات. 

في ملابس البيت الخفيفة تظهر الفتيات تحت الضوء البعيد لغرفهن الدافئة. الباب موصد. والشباك مفتوح. 

تدير جارتنا ضحى جهاز (البك اب) الذي عاد به زوجها من اليابان في الرحلة الوحيدة التي كسرت عزلته. "موعود معايا بالعذاب موعود يا قلبي". 

حفل الربيع تعاد بث فقرات منه في الراديوهات على المكاتب الصغيرة والمخدات. 

ساعة استراحة كما لو باتفاق. تطير جملة في الهواء، فتخرج طيور من الشبابيك والبلكونات. وراءها نور غرفهن الساهر.

الحب؟ ربما، وأكثر. استعراض بدائي، حيث لا يقال ما يفترض أن يقال، وتُبنى قصص كاملة من التفاتات.

لا شيء عفوي فيها. الرغبة تجري وراء الدعابة المحايدة، والضحكة لا يلحق بها أحد. لا سكن لها و لا بيت.

بعد أعوام طويلة ستقف سيارة في الشارع. يخرج وجدي بضجته المعتادة ومعه زوجة ضخمة منقبة. برميل من السواد تخترقه عينان مقتحمتان. 

بعيدا جدا عن كامب شيزار، في حي الدخيلة الذي تحتله عائلتان من أصول بدوية يقيم وجدي صيدليته. الحياة حلوة. والإشاعات في الشارع هنا أن صيدلية مقامة بعيدا جدا تحوم حولها الشبهات. يقولون إنها صارت محطة للمدمنين. 

أرتاب دائما في لاعبي الشطرنج الماهرين. في مقهى والي كان وجدي يجلس مع أصدقاء بوجوه مقطبة شديدة التركيز، بين لحظة وأخرى يضغط أحدهم بعصبية على زر آلة غريبة. زمن رمزي استُبدل بزمن الحياة. رقعة للمبارزة حيث النجاح يتوج بـ"كش ملك".

كامب شيزار ـ أريد للعالم أن يبقى كما أعرفه

أريد للعالم أن يبقى كما أعرفه. لا أحد يتفهم ذلك أبدا. يتعاملون مع الزمن باحتقار للذات، ومع هذا يبدون عكس ذلك تماما، أي وقاحة؟!

أبكي تحت غطاء ثقيل دون صوت. هل يمكن أن يموت عم علي؟! مادام كبيرا هكذا، مادامت هذه الأخاديد في وجهه فسوف تصل عاجلا إلى العضلة التي منها تنطلق ضحكته. 

أسمع حكة سكين على الباب الصاج. في دكانه غية حمام. تقف الحمامات في الليل أعلى صندوق باب الدكان الدوار وتغطي سطحه ببرازها الذي يعطيه اللون الأبيض صفة الرزق. 

"عمو علييي" يلقيها صبي الجزار بإمالة وتخنث ويمر سريعا على دراجته أمام الدكان. "امشي يا ابن الكلب". يقذفه عم علي بالعتلة دون أن يصيبه.

"بوس ايسته ألي؟"، "بولي كالا مادام". رشاش الماء أمام دكانه يترك بقعة الأسفلت الرطبة كأنها حرم خاص. 

هل كانت تلك إحدى زبائنه في شبابها؟ أعني تلك اليونانية الطاعنة التي مازالت تحتفظ بالحيوية وهي تحدثه، مشيرة هنا وهناك؟ الشوارع تضيق. تأجير العجل ليس مأمونا كالسابق. ينادي عم علي على أحدنا "خد العجلة دي وشوفلي الـ 28 الحمرا في شارع طيبة..". نفرح بالرحلة المجانية. 

يرتفع الباب الصاج، فتضرب أجنحة بيض وسود سماء الشارع الصغير.. 

قصير وفي ذراعه عصب قوي. مزاجي يسحب الشارع كله على موجته المتقلبة. 

على الحائط المجاور لدكانه لوح لأفيشات أفلام سينما أوديون. أترقب يوم الإثنين لأشاهد الرجل الذي يأتي في صمت ومعه فرشاته السميكة ودلاء الغراء. الورقة الأولى تكشف نصف وجه البطل وامرأة أصغر حجما بكثير تسير في شارع ما. 

كل ما يحصل عليه عم علي من لوحة الإعلان دفتر لدخول السينما مجانا. "خدوا روحوا الفيلم ده" يتنازل بأريحية.

الشقة المواجهة لنا، شقة الأخوة الستة. شبانها لا يستقبلون أصدقاءهم فيها. على الرصيف الضيق يترك عم علي مقعده. 

أجلس على سجادة الغرفة الدافئة تحت بقعة الشمس التي ظهرت أخيرا من وراء كتف العمارة المقابلة. أحس كأن ارتجاجة خفيفة مرت بجسدي، ارتجاجة صوت هائل ومكظوم. أخرج إلى البلكونة. شارع بورسعيد شبه خال على غير العادة. الذين يمرون يلقون نظرة إلى الخلف، كما لو كانوا يحسبون مسافة الموجة الآتية. 

أخيرا يصبح الصوت هادرا، قمصان بيض تحت الشمس، مد كاسح تطفو على ظهره أذرع ورؤوس طائرة كالنوارس. طلقات الرش تدفع البعض إلى الفرار عبر شارعنا. متى جهز عم علي عدته؟

في الفاترينة الصغير على مدخل الدكان حيث كانت علب البسكويت وسجائر البلمونت والفلوريدا زجاجة ميكروكروم وصبغة اليود ولفة شاش. يسحب عم علي الشباب إلى داخل دكانه الذي لا تدخله الشمس وتغمره رائحة الشحم وفضلات الحمام. 

كانت مظاهرات 68 صدمة الجموع، صدمة الصوت الذي جعل الشارع هشا، طارت علامة محطة الأوتوبيس، كأنها بقايا مركب تهشمت أضلاعه. إلى أين يتجهون؟ ليس هذا هو السؤال. حتى صيغة الجمع لا تقول الحقيقة. كثافة كالحب طائشة وحرة. 

في الصفحات الأخيرة من كراس الرسم أرسم مظاهرات. أتعلم تلقائيا معنى المنظور. ليس له علاقة بالمكان، بل بالزمن. الحركة هي الأهم. الحركة المخلدة للذراع الطائرة فوق موجة، الملامح لا تعني شيئا. خطوط سريعة، والرؤوس من بعيد أقواس ترف كأجنحة. 

أن تكون رجلا يعني أن تذهب للعزاء كرجل. وكان أول عزاء نتعلم فيه كيف نمد أيدينا بالمصافحة ونجلس في صمت الكبار هو عزاء عم علي.

كامب شيزار ـ ألا أونا

"ألا أونا.. ألا دوي.. ألا تري". تخرج زميلنا متأخرا عاما عن الدفعة. كنت أعرف ابن عمه الطنطاوي سيد من مسجد عمر بن الخطاب. اصطحبني حسن في لحظة تجل لم تتكرر إلى بيته المطل على شارع بورسعيد. راديو قديم على هيئة قطعة ضخمة من الموبيليا، شاشته مسطحة أفقية، لوحة مقلدة لسيف وانلي، أوان وشمعدانات من النحاس والفضة.

نشرب القهوة معا على البالميرا. لا يسألني عن الكتاب الذي أثني صفحاته في موضع تعليق بالقلم الرصاص. عن أي شيء كنا نتكلم؟

ستمر أعوام قبل أن يستأذن قريبي الآتي من دمنهور خصيصا لحضور المزاد في صالة "الشاذلي". بكالوريوس زراعة لكنه يدير ورشة لإصلاح الثلاجات، والآن هو زبون دوري لنداءات الميكروفون الصغير الذي يأتي صوته مكتوما ومتربا من داخل الصالة المكدسة "ألا أونا.. ألا دوي.. ألا تري".

مثل غنائم الحرب يتوزع الماضي خاليا من الجلال. الماضي نفسه كان يتدلى من ثريا نحاسية، في صالة شقتنا، كاساتها على هيئة ورود مفتحة في دائرتين مزدوجتين تنتهيان في الأسفل بطبق كبير من الزجاج المغبش. لا أعرف لماذا كنت أخطئ نفس الخطأ كل مرة فأرتدي قمصاني هنا، وكلما رفعت ذراعا اصطدم بزهرة من الماضي فأوشكت أن تسقط على رأسي.

هذا يوم الملحمة. جاء الصعايدة بعضهم يحمل عصيا كالشوم متجمهرين أمام الصالة التي كانت تعرض على مائدتها جرامافون قديم ومجموعة من الاسطوانات جوار سماور روسي قديم مختوم وبحالة جيدة.

على واجهة صالة المزادات كانت لافتة تأييد كبيرة لمرشح مجلس الشعب الشاذلي هريدي. ظلت الجلسة منصوبة حتى ساعة متأخرة من الليل. "ألا أونا.. ألا دوي.. ألا تري" لم تُسمع من الداخل.

واحدة من الخناقات الدورية كانت تقع أسفل منزلنا مباشرة. بين الحاج رمضان والحاج بمبة. صوت بمبة كان يأتي من داخل عنقه الغليظ كقنبلة فسدت. كلاهما كان بائع روبابيكيا في الأصل. يحمل بمبة الثلاجات القديمة إلى دكان الحاج رمضان المشغول جدا بالصيد في ساعات المغارب. الصدأ في مكانه. والحاج رمضان يتأهب بجهامة مضاعفة. هي المعركة مجددا.

تتأرجح كتلة الأجساد الغاضبة كقارب صغير مشدود إلى رصيف. لا أحد يريد أن يحل عقدة الحبل الخشن ليبحر الغضب في مواجهة أخيرة. بل يُحمل مستأنسا إلى كَراسٍ صغيرة تُنصب على الرصيف حيث يهدأ الصوت مع رشفات الشاي. ويعكس العتاب لونه على الوجوه كلفحة شمس كابية.

في مربع سكني صغير كتلة بشرية هائمة ارتكزت على صالات المزادات. في نهايات عهد مبارك عاد الازدهار إلى هذه الصالات، الثراء يسقط الثراء. وقريبي يخطف ركعات المغرب في منزلنا ويسرع. أضع الكتاب جانبا وأسأل صديقي حسن: هل تذكر زميلتنا زيزي؟

إقرأ أيضاً

انضم الى قائمة رسائلنا الإلكترونية

شكراً لانضمامك الى قائمتنا البريدية!

نأسف، حدث خطأ. يُرجى إعادة المحاولة!