مدن الصدمة

كتابات
26.2.2018

1

لم تعد الشوارع كما كانت من قبل بالنسبة لي، لم تعد أكثر من مجرد مسارات مجردة تمامًا، مسارات نسلُكها كي نقطع مسافة ما بين مكانين، لم تعد ذات أي معنى أو ذكرى، أصبحت مجرد مدة زمنية ثقيلة تمر ببطء  فيطول الزمن حتى ولو كان المسار قصيرًا، حتى لو كان قصيرًا جدًا، شوارع تلك المدينة، خطوط تصل بين نقطتين أشعر تجاه كليهما بربكة شديدة، لم أعد عن قصد أحمل أية ذكريات لتلك النقاط، تجريد مقصود نتج عن محاولة لتجنب آثار نفسية مركبة، إلا أن نقاطا  بعينها كانت أقدر من قدرتي علي تجريدها و تحييد ذكراها فصار تجنب المرور منها أمرًا لا خيار فيه .

2

كل الأماكن تقترن بالصدمة، بكرب ما بعد الصدمة، بخبرة انفعالية مهولة لم تكتمل، لم تجد الفرصة لأن تنتهي نهاية خفيفة أو حتى ثقيلة لكن دون قطع مفاجئ، كأن يموت الشخص حرقا فيظل على وضعه الأخير، وضع الصدمة..  و من يعلم إذا ما كان مات مصدومًا أم بفعل الانصهار؟ أنا أبغض الحنين و كل ما له علاقة بالحنين و كل ما يجعلني أشعر بأنه جزء من الحنين أبغضه، أخاف منه ومن دائرته المغلقة .

3

لم تعد علاقتي بالمدينة على ما يرام، نوبات من القلق المستمرة المصاحبة في كل مرة أذهب إليها، لكل حركة في شوارعها، أخبرني صديق أنني أصبحت أمشي في الشارع بسرعة شديدة،أنظر أمامي، لا أنظر يمينا أو يسارا، أسير في حذر و توتر، بعض المعارف ظنوا يوما ما أنني لا أرغب في تحيتهم و لم تفلح بأي شكل من الأشكال محاولاتي في إقناعهم بأنني لا أتذكر مطلقا أنني قد رأيتهم تلك المرة، حاولت أن أشرح لهم أكثر عن أن لحظة اضطراري للنزول للشارع و السير فيه هي لحظة ثقيلة جدا، لكنها بالنسبة لي مجرد مهمة لابد و أن أقوم بها كي أصل للنقطة التالية، أصبحت لا أستطيع الانتظار في الشارع لأكثر من ثلاث دقائق.

4

مدينة بلا مناورات، مداخل لها مخارج، يستطيع أي شخص الوصول لتلك المخارج، و محاصرتك من الجانبين، الطرق المتوازية المقطوعة بأخرى عمودية، كلها دوائر مغلقة، جميعها تبدأ في نقطة  و تصل لنفس النقطة. يوما ما حاولت الهروب من إحدى الممرات الضيقة المؤدية لشارع خلفي، قطعته وسلكت الشارع الخلفي متبعا مساره ، لكن للأسف وجدتهم أمامي،  كش ملك.

إقرأ أيضاً

انضم الى قائمة رسائلنا الإلكترونية

شكراً لانضمامك الى قائمتنا البريدية!

نأسف، حدث خطأ. يُرجى إعادة المحاولة!