الإسكندرية.. أنشودة الحضور وألم الغياب

كتابات
26.1.2018

رائحة البحر تجتاح نوافذ القطار الموصدة بإحكام، حبات الرمل اللعوب تعلن عن نفسها بشوق ومرح أمام المحطة، سرعان ما حاولت التعلق بالبنطال الذي أرتديه إلا أن الحذاء الأسود الثقيل لم يعجبه الأمر، شدد من ثقل خطواته فتساقطت الحبات وهي ساخطة، بدت من الحذاء ابتسامة المنتصر، أشاحت حبات الرمل بوجهها وهي تتوعد الحذاء بجولات أخرى أكثر شراسة.

الهواء المنعش يزهو بخيلاء في صدري وكأنه صبي معتد بنفسه...

صوت المتوسط يبدو جهوريا، سرعان ما تكفل الصدى بنقله إلى عالم اللا نهاية.

الشمس تتابع باهتمام كل ما يحدث، لكن الغيوم الشقية الصغيرة تحاول منعها من المراقبة؛ فيزداد غيظها وتطلق أشعتها الحارة باتجاه المكان، تتفرق الغيوم وهي تضحك بخبث ومكر عازمة على التجمع مرة أخرى لإغاظة الشمس عندما تحين لها الفرصة.

كانت تلك الخطوات الأولى في المدينة، لم تكن ككل البدايات، لم تكن بداية كلاسيكية كما تصورها أفلام السينما المصرية..... كانت بداية مثيرة غريبة مليئة بالأسرار.. بل وأحيانا صادمة...

الكثير الكثير من الصور والقليل من الكلمات التي تستطيع التعبير عنها، إنها البداية فقط....

أيوووه يا جدعان، النوَّة، المنتزه، سيد درويش، زيزينيا، ريا وسكينة، المرسي أبو العباس، أيس كريم في جليم، وبالطبع البحر.. هي كل ما يملك فتى الجنوب الصغير الأسود لمواجهة هذه المدينة.

أنزلت حقائبي علي عجل، استقبلني مندوب الأسرة السودانية في الجامعة استقبالا حارا، أشار بيده إلى تاكسي ماركة لادا موديل قديم جدا، ركبت معه وأنا أشعر بالاطمئنان. أطلقت زفرة عميقة: ها هو رجل أسود بقربي، لابد وأن اللون الأسود يمنح دفئا مضاعفا أثناء البدايات الساخنة.

شكلت الأشياء من حولي نشيدا له لحن مختلف، أدركت حينها أنه نشيد الحضور، إنها المدينة تفتح ذراعيها لفتى صغير، كيف لا وأنا مصاب بإدمان الأماكن وحب المدن؟

***

كثيرا ما يتحدث أهل الإسكندرية عن وسط البلد وعن الطرز المعمارية الرفيعة والتاريخ المهم لهذه المدينة، وعن الجمال الذي يقبع في كل ركن من أركان هذه الأحياء القديمة التي تحمل سحرا لا يقاوم: باكوس، محطة الرمل، حي بحري، محرم بك، كرموز، شارع النبي دانيال، كوم الدكة،  العمارات الجميلة التي تبدو كحوريات البحر جميلة حميمة غامضة بعض الشيء أيضا، والمقاهي المنتشرة هنا وهناك، بالطبع (البوابين) المقهى المفضل بدون أسباب مقنعة سوى أننا اعتدنا وجودها أثناء تسكعنا الدائم الذي لا ينتهي، (صيام) مقهى السهر والوجبات المتأخرة، التجارية، الكريستال، علُّولة، علبة، وقهوة عيدة في كامب شيزار. وبالرغم من تعلقي بهذا العالم السحري إلا أن البداية كانت في ميامي شارع 45.

شرق المدينة يمثل لي العودة إلى البيت والشعور بالأمان، كان له وقع البدايات التي لا تُمحى من الذاكرة، وهو بلا شك شاهد على الحياة المدنية العصرية ذات الإيقاع المتسارع الذي يكاد يلتهمنا، حيث تبسط الأشكال الهندسية سطوتها وتفرض واقعا قاسيا بعض الشيء، تضيق المساحات ويلجأ الإنسان إلى مساحات أخرى في ذاته، ربما لم تستطع أجيالنا بعد التكيف مع هذا الواقع وخلق الإبداع من دواخله؛ لكن لابد وأن تتمكن أجيال قادمة من ذلك، بالرغم من أن شرق المدينة لا يحظى بنفس مكانة وسط البلد، إلا أنه يحمل جمالا أخاذا في شوارعه المجنونة التي تهبط نحو البحر بشغف طفولي، ضحكت علي نفسي كثيرا وأنا أنزلق في هذه الشوارع وهواء البحر يشدني إليه وأنا أتمنَّع خشية الغرق، كالعادة دائما كان ينجح في مساعيه.. كيف لا وهو البحر وأنا شاب نحيل من الجنوب؟ المحلات التجارية ذات الواجهات الزجاجية، الإبراهيمية، ميدان الساعة، فيكتوريا، كليوباترا،

أما ميدان سيدي بشر فكان المكان الذي أهرب إليه حين تهتاج نفسي بما لا طاقة لي به، أهرب حتى من نفسي، ساعات طوال أقضيها في حضرة سيدي بشر أملا في أن يحدث شيء ما.

توالت الأماكن بعد ذلك: المندرة  قبلي وبحري، العصافرة، سيدي بشر، طوسون، أبوقير، القطار الذي كان مسرحا يوميا للأحداث التي أجزم أنها (صُنعت في الإسكندرية) بإتقان.

كانت رحلتي شبه اليومية من شرق المدينة إلى وسط البلد تشبه رحلة قطار أبي قير، رحلة أشبه بالوقت المستقطع في كبسولة زمن، فرصة يومية لترتيب الأوراق المبعثرة علي الدوام، وبالرغم من الحضور الدائم إلا أنني أعترف أني حينها عجزت عن ترتيب هذه الأوراق الملعونة، كما أن هذه الرحلة كانت أحيانا فرصة عظيمة أيضا لفعل اللا شيء على الإطلاق، من المهم عدم فعل شيء أحيانا؛ فعدم فعل الأشياء هو ما يقودنا لفعلها .

كانت حقيبة الظهر تلازمني في هذه الرحلة على الدوام، أحمل فيها قصاصات ورقية لا أدري لماذا أحتفظ بها، بالإضافة إلى كتاب وزجاجة عطر رخيص، تي شيرت ملون، وملابس للبروفات، حبوب وغيرها من الأشياء التي لا أتذكرها إلا عندما أشرع في تنظيفها، كانت هذه الحقيبة على الدوام تحمل معي أعباء الأسئلة التي لا أجد لها إجابات واضحة عن ذاتي الهائجة، بل اضطرت في كثير من الأحيان لدفع ضريبة المعرفة الباهظة، لن أبالغ حين أقول أنها كانت بمثابة مضاد للوحدة والتشتت.

فجأة وفي خضم ذلك كله أصبح الغياب واقعا هو الآخر، اشتد عليَّ المرض وأنهك جسدي، وأصبحت أصارع وحشا هائلا لا قبل لي به، فكان الغياب عن حبيبتي حتميا، سأغادر الإسكندرية!

سبب الغياب ألم في دواخلي الصغيرة لم أتمكن من الشفاء منه سريعا، إلا أنني أدركت فيما بعد أن الغياب كان أكثر أهمية من الحضور، حينما حل الغياب تمكنت أخيرا من ترتيب أوراقي وباتت ليالي التسكع والشعر والقصص والغناء والمسرح زادا لحياة لا أدعي أنها أكثر نجاحا ولكنها أكثر نضجا،

أدركت أيضا أنني أدين لهذه المدينة الساحرة بالكثير.

ما بين أنشودة الحضور وألم الغياب تعرفت على قيمة الحياة، واعترفت أمام نفسي بأني مازلت صغيرا في ثنايا هذا الكون الفسيح، توقفت عن مطاردة الحقيقة وابتغاء الكمال وتقديس الفضيلة الزائفة، آثرت السكون وتعلمت التحكم، أصبحت أجيد التوقف عن نفسي عندما يزداد الهياج.

***

حبات الرمل تجمعت هذه المرة بدهاء، انطلق بعضها إلى الحذاء الأسود الثقيل فيما تمكنت الأخريات من التعلق بالبنطال، لم يستطع الحذاء فعل شيء، لم يتوقع هذه الهجمة المباغتة، حذرته مرارا من الدخول في مشاجرات مع حبات الرمل: "حبات الرمل لا تنسى من يطأ عليها". صوت البحر مازال يتردد في عالم لا نهائي، أما الهواء المنعش فأصبح أكثر نضجا وأقل اعتدادا، الغيوم لم تعد بنفس النشاط؛ وهو ما جعل الشمس تشعر بالوحدة، والشمس حين تشعر بالوحدة تزداد حرارتها وسخطها، تغيرت الأشياء؛ لم تعد كما هي، لكنها ستتغير حتما، كل ما علينا تقبل الأمر والتصالح مع الأوضاع المستحدثة قدر الإمكان أملا في تكيف أسرع يقينا شرر الضرر.

توقف الزمن لبرهة.. الجميع يحدق في الفتى الذي كبر الآن، إنه فتى الجنوب.. نعم هو، لم يتغير شكله كثيرا، بدأت تنهال الأسئلة والتعليقات: متى عدت؟ وحشتنا أوي، صحتك عاملة إيه؟ أيوووه يا مروان!! حتسافر إمتى؟ خليك ف إسكندرية، تعالى اتغدى معايا، ألاقيك ع البوابين، ما تتأخرش.....

               أنا أحب هذه المدينة كثيرا!

إقرأ أيضاً

انضم الى قائمة رسائلنا الإلكترونية

شكراً لانضمامك الى قائمتنا البريدية!

نأسف، حدث خطأ. يُرجى إعادة المحاولة!