جليم - كوبري الناموس: شوارع ممتدة تُكمل الصورة

كتابات
7.2.2018

في الإسكندرية هناك شيء ما يدفعك لأن تنظر شمالا في اتجاه البحر، كأن الشمال أو البحر هو قبلتنا التي نضبط عليها بوصلتنا لنسير في المدينة دون الإحساس بالضياع. تلك النظرة التي نتعلمها، دون وعي منا، لتساعدنا في أن نحدد موقعنا الجغرافي في المدينة، تنمو وتتعمق مع الزمن لتشكل معيارًا لتحديد موقعنا الطبقي أيضا.

أغلب طبقات أو مناطق المدينة لا ترى البحر، لكننا نتعلم منها، أيا كان موقعنا، أن نراه، أن نلغي تلك المسافة التي تفصلنا عنه، أن نلغي الفوارق الطبقية التي تشكلت عبر الزمن وشكّلتنا معها وفيها. كأننا، نحن السكندريون، باتفاقنا الضمني أن ننظر إلى هذا الأفق الأزرق الممتد، نخلق وسيلتنا للتعايش المشترك.

هذا التعايش المشترك لا يلغي الفوارق، ربما يهذبها قليلا، يُجمّلها، يجعل حوافّها أقل خشونة، إلا أن تلك الفوارق والتناقضات، بتجاورها وتفاعلاتها البينية، تخلق صورة الإسكندرية التي نعيش بها، لا تلك التي نحب أن نراها.

دائما ما كانت رحلاتنا لاكتشاف المدينة تبدأ من الداخل، من أحيائنا الشعبية والعشوائية إلى البحر، أو الأحياء التي ترى البحر. فكّرتُ أن أسير في مسار عكسي تلك المرّة، أترك البحر خلفي وأسير للداخل مسافة ثلاثة كيلومترات من  شاطئ جليم إلى كوبري الناموس على ترعة المحمودية.

شاطئ جليم المجاني

في أواخر التسعينيات انتقلت من المدرسة الإبتدائية في الرمل الميري إلى المدرسة الإعدادية في لوران. وقتها بدأت تتشكل علاقتنا الفردية بالبحر والمدينة بعيدا عن رقابة الأسرة. لم يكن طريق الكورنيش بهذا الاتساع، مجرد حارتين في كل اتجاه، رصيف ضيق وسور أصفر يفصل الطريق عن الشواطئ الرملية الكثيرة التي اختفت حاليا.

في تلك الأيام زار الأخ العقيد معمر القذافي؛ رئيس الجماهيرية العربية الشعبية الاشتراكية الليبية مصر بعد قطيعة دامت سنوات. في وداعه جاءت التعليمات لإدارة المدرسة وكل المدارس القريبة من البحر في الطريق من المنتزة - حيث أقام أثناء الزيارة - إلى شارع قناة السويس؛ مخرج المدينة، بأن يصطحب المدرسون التلاميذ  لتحيته قبل أن يعود إلى ليبيا. لم نكن نعرف من هو، فرحنا بقضاء اليوم على البحر في انتظاره، حتى مرّ بموكبه الضخم  وهو يشير لنا بالتحية عبر نافذة سيارته، هتفنا كما طلبوا منا في سرعة وتشنُّج: قذافي قذافي قذافي.

مع هروبنا المتكرر من المدرسة تعودنا، بدافع الخوف من المدرسين ومدير المدرسة، البعد عن لوران قدر الإمكان. كانت جليم هي قبلتنا؛ شاطئ رملي مجاني كبير يصلح لمباريات كرة القدم أو لماتشات الملاكمة والمصارعة الحرة بيننا، ولسان صخري ممتد داخل البحر لهواة الصيد يصلح أيضا كمنطّ لهواة العوم . من المناظر المعتادة وقتها، خاصة في الشهور الأخيرة من العام الدراسي التي تواكب بدايات الربيع، أن تجد عشرات التلاميذ على لسان جليم باللباس الداخلي يقفزون إلى الماء.

في أشهر الصيف يمتلئ شاطئ جليم بالناس، هو الشاطئ المجاني الأقرب للأحياء الشعبية باكوس وغبريال والظاهرية وغيرها من الأحياء المحيطة. أغلب رواد الصيف كانوا يأتون مشيا على الأقدام محملين بحاجاتهم من المأكولات والعصائر والكراسي وشماسي البحر الكبيرة. رحلة شبه مجانية لأسر كبيرة العدد يكررونها مرّة أو مرّتين شهريًا.

كل هذا لم يعد له وجود الآن. مع اتساع طريق الكورنيش تقلصت مساحة الشاطئ. استولى فندق توليب على أغلب مساحته المتبقية المقابلة لقصر الأميرة عزيزة فهمي، والجزء الباقي تحول إلى كافيه وشاطئ صغير مدفوع الأجر. كان جليم آخر شاطئ مجاني في شرق المدينة. أين سيتعلم أغلب السكندريين السباحة؟ مستقبلا، ستجد أغلبية الشباب في تلك المدينة الساحلية لا يجيدونها.

الفنون الجميلة

حتى عشرين عاما مضت، كانت جليمونوبوليس، أو اختصارا جليم، تعكس ماضيا ملكيا كولونياليا بامتياز، تنتشر فيها القصور والفيلات التي هُدمت تباعا وحلت محلها عمارات سكنية عالية،  يمكنك معرفة تاريخ بنائها ببساطة عن طريق احتساب عدد طوابقها، كلما زادت الطوابق كلما أشارت لتاريخ بناء أحدث. من بين تلك القصور التي نجت حتى الآن قصر عزيزة فهمي، قصر الصفا / أول مقر لجامعة الدول العربية، قصر الأميرة فاطمة الزهراء/ متحف المجوهرات الملكية حاليا، والقصور المتناثرة في جليم وما حولها والتي تحولت إلى أقسام لكلية الفنون الجميلة.

تضفي كلية الفنون الجميلة مساحة من الجمال والاتساع على المكان، شباب وشابات يحملون لوحاتهم وأدواتهم واسكتشاتهم ونماذجهم الفخارية أو الخشبية، تلمحهم عبر فتحات السور الحديدي المحيط بكليتهم المطلة على محطة الترام، أو قسم التصميمات المطبوعة في شارع مصطفى فهمي، يرسمون ويصنعون نماذج فنية من صلصال. هذا التنوع في ألوان ملابسهم وإحساسهم بتمايزهم عن باقي الكليات يخلق حالة لا توجد حول مجمع الكليات النظرية بالشاطبي، ولا المجمع العلمي في ميدان الخرطوم بالأزاريطة.

لا ترتبط تلك الحالة المختلفة بمستوى مادي معين، صحيح أن عبء شراء الأدوات اللازمة للدراسة في كلية كالفنون الجميلة يخلق عائقا أمام الكثيرين للالتحاق بها، لكن تلك الحالة المختلفة ترجع في رأيي إلى طبيعة دراستهم الفنية، فمثلا لم أجد في تجارة إنجليزي حيث درست إلا روحا جافة وطبيعة عملية خلقت مزاجا عاما رأسماليا لدى الجميع، نموذج معين للنجاح يجب تحقيقه، أن تسعى لتكون ترسا جيدا في كيان اقتصادي كبير، نموذج الشاب الطموح كما يظهر في أفلام وول ستريت، لا مجال للتمايز أو البحث عن روح أو معنى ما تفعله. في فنون جميلة أيضا هناك معيار معين للتميز، هو أن تكون مختلفا، ربما تلك الرغبة في الفردانية والاختلاف هي ما تخلق تلك الحالة الكرنفالية حول فيلات الفنون الجميلة في جليم.

باكوس – العاصمة

"اللي نازل باكوس، اللي نازل العاصمة" بهذا النداء كان ينبه كمساري الترام ركابه باقتراب محطة ترام باكوس، سُميت العاصمة لازدحامها وتكدسها، ربما انتقلت العاصمة السكندرية حاليا إلى الشرق قليلا، العصافرة.  اختفى هذا النداء تدريجيا حتى تلاشى تقريبا، لا تسمعه في الترام حاليا إلا من العجائز كحالة نوستالجيا لعاصمتهم المحببة للقلب، باكوس.

شارع الإذاعة أو شارع بابا شارو، نسبة إلى الشخصية الإذاعية الشهيرة قديما، هو  المعبر الرئيس من جليم إلى باكوس. علي يسارك في الطريق إلى باكوس تقابل قصر الأمير عمر طوسون، الذي تحول قريبا من كلية للتمريض إلي قسم الديكور في كلية الفنون الجميلة، بعد ذلك مبنى الإذاعة والتليفزيون وفي نهاية الشارع تصادفك كنيسة سان أنطوان للفرنسيسكان الكاثوليك ببرجها شبه المخروطي المائل للبياض وصليبها المعدني أعلاه.

للكاثوليك تاريخ طويل في باكوس تشير إليه أبنيتهم المنتشرة فيها، بداية من كنيسة سان أنطوان، ومدرسة نوتردام دي سيون، ودير الراهبات الإفرنج الكاثوليك. ربما يرجع سبب ذلك لخليل بغوص باشا الكاثوليكي الذي يرجع إليه تأسيس المنطقة، أو لأن باكوس بوقوعها كظهير وامتداد طبيعي لمنطقة جليم الثرية قد اجتذبت في بدايات القرن العشرين الطبقات العاملة من الجاليات الأجنبية، وربما لهذا السبب أيضا ترجع تسمية باكوس نسبة للإله الروماني باخوس إله الخمر كما يقال. لا أعرف هل يسكن باكوس حاليا مسيحيون كاثوليك أم لا. كل من عرفتهم كانوا من الأرثوذكس.

تختلف محطة ترام باكوس عن أي محطة ترام أخرى باتساعها الهائل، هناك مقهيان: "زيجوتو" و"السيد متولى" ومطعم وبائع جرائد وحلاق وسنترال حكومي وعدة محلات أخرى داخل محطة الترام، لا يمكنك أن تتردد علي باكوس ولا يجذبك أحد المقهيين. في بدايات الشباب اجتذبتني قهوة زيجوتو عن قهوة السيد متولي. كنت أبحث عن ركن هادئ متوارٍ أدخن فيه وأقرأ جرائدي أو كتبي. قبل ثورة يناير بعدة سنوات، أسسنا فيها حزبا سياسيا أسميناه، على سبيل السخرية من النظام، حزب التجمهر، هدفه الأول رفض قانون التظاهر وحالة الطوارئ. كان الحزب يضمني أنا وصديقي إيهاب وأشرف عامل المعسل الذي لم يعرف حتى الآن بانضمامه لحزب سياسي سرّي. بعد الثورة انتقلنا في جلساتنا إلى السيد متولي. حزب آخر ضمته قهوة السيد متولي هو حزب هواة الشطرنج، يجلسون في صفين متقابلين في منتصف المقهى  كل صف في حدود عشرة أفراد أمامهم قطع الشطرنج وساعة العدّ العكسي وتبدو عليهم جدية بالغة.

شارع السينما

بعد عبور ترام باكوس وشارع مصطفي كامل تجد شارع السينما؛ سينما ليلي أو سينما الحرية كما سميت بعد ثورة يوليو. كان آخر فيلم يعرض في سينما ليلى هو مواطن ومخبر وحرامي لداود عبد السيد. بعد ذلك أُغلقت وبعدها بعامين حل مكانها برج سكني، اختفت السينما وبقي اسم الشارع في وعي سكان الحي كما هو، ربما ليبقى شاهدا رمزيا على حقبة انتهت، مثله مثل شارع ساسون؛ مقر الكنيس اليهودي الوحيد بباكوس الذي حمل نفس الاسم ولم يعد له وجود الآن أيضا.  

يشكل شارع السينما مع شارع محطة السوق ضلعي المنطقة التجارية في باكوس؛ شارعي التجارة الرئيسيين. في شارع السوق كان محل الكشري الجديد في منتصف التسعينيات "كشري بروسلي" هو أسطورة جيلنا؛ طبق كشري كبير بنصف جنيه يمنحك قوة وخفة البطل القادر على إخراج قلب إنسان بقبضة يده: بروسلي العظيم.

لا يمكن تصنيف باكوس ببساطة كحي شعبي  فقير، ربما أهميتها كسوق تجاري- للخضر والفاكهة والأسماك في البداية، ثم بعد ذلك للملابس والأدوات المنزلية والكهربائية - خلقت هذه الحالة من الإرباك في التصنيف، فالتراكم الرأسمالي الحادث فيها بيد عدة عائلات كبيرة العدد تسيطر على السوق وتقيم فيها، خلق تلك الحالة من التجاور بين غنى فاحش وفقر منهك، إضافة للعداوات والمناوشات التي تتكرر كل عدة سنوات بين عائلة وأخرى تنتهي بحادثة قتل؛ لتتحول بعدها باكوس لساحة حرب أهلية تقف الدولة في البداية موقف المتفرج ثم تتدخل في النهاية بجلسة صلح بين العائلتين.

"بعد القَطر"

قبل أن تعبر القطار ستجد مسجدا بُني بشكل مخالف علي شريط القطار مباشرة: مسجد نور الإسلام، أحد أهم معاقل السلفية في الإسكندرية، كل من آمن بالفكر السلفي في المدينة ولو قليلا يعرفه. يقدم فيه بعض أشهر شيوخ السلفية العلمية، كالشيخ أحمد حطيبة، دروسا  دينية، مسجد صغير بشهرة عالمية.

باكوس بعد القطار لا تختلف كثيرا عنها قبل القطار. تضيق الشوارع قليلا، تظهر عيوب التخطيط العشوائي بكثافة أكبر، إلا أن ثمة وجود فارق طبقي لا يكاد يُلمح إلا بالقرب من شارع عشرين، أبراج كثيرة شاهقة الارتفاع غالية الثمن بدأت في الظهور مكان مساحات كانت زراعية لفترة قريبة، ربما تفوق أسعارها ضعف سعر المتر في المنطقة،  أغلب سكان تلك العمائر شباب يعملون في الخليج فضلوا شراء وحدات سكنية بالقرب من منازل أهاليهم، ربما رغبة في أن تظل زوجات الشباب المغتربين بالقرب من أسرهم،  أو أن العمل في الخليج لم يعد يقدم المال الكافي ليحرز أولئك الشباب القفزة التي طالما حلموا بها، أن يروا البحر من شرفاتهم.

كوبري الناموس

على بعد خطوات من تقاطع شارع عشرين مع امتداد شارع السوق، نصل لكوبري الناموس الواصل بين باكوس وعزبة الصالحية فوق ترعة المحمودية، تنتشر في المنطقة بقايا مصانع لا تعمل، كمصنع الكيماويات التابع لمطابع محرم، ومصنع فرتا للورق. مصانع كبيرة بمساحات أراضٍ شاسعة تشير إلى ماضٍ صناعي وعمالي كان السبب في إعمار هذه المنطقة. تقف تلك المساحات الشاسعة للمصانع المعطلة في انتظار زحف منطقة سموحة الراقية، التي نراها بأعيننا المجردة من فوق كوبري الناموس، بأنماط عمارتها وكومباونداتها لتبتلع أراضي تلك المصانع  وتخلق نمطا طوبوغرافيا جديدا للمنطقة، لا يتجاور فيه الغنيّ مع الفقير تلك المرة، بل يتداخلان حتى يبتلع أحدهما الآخر.

إقرأ أيضاً

انضم الى قائمة رسائلنا الإلكترونية

شكراً لانضمامك الى قائمتنا البريدية!

نأسف، حدث خطأ. يُرجى إعادة المحاولة!